تشكل الثقافة الاسترالية نسيجاً واحداً مع قيم الابتكار والسعي من أجل الجودة وحب التنوع، التي تعتبر من مكونات الحياة الاسترالية، فنانو (اللحف) الزخرفية الاستراليون يعكسون حيوية وعمق الثقافة الاسترالية، كما يسهمون في تنمية الإدراك بكل ما في كلمة استرالي من معنى.
ومعرض «عبر استراليا» الذي يقام حالياً في حلب، هو معرض خاص بـ (اللحف) الزخرفية وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، تحت إشراف ديان شيفال، ويضم أعمال 28 عارضة من أبرز فناني النسيج في استراليا.
ويقدم المعرض العديد من الرؤى والمفاهيم المتعلقة باستراليا، ذلك لأن معظم بلدان الشرق الأوسط لديها ارتباط ثقافي عميق بالأنسجة والتطريز وصناعة الحرير.
وغالباً ما يرتبط فن النسيج بالنساء، مثل هذه الأرضية المشتركة توفر قاعدة لمزيد من الصلات، والحوار وتذوق أكبر لتراث وقيم النساء السوريات والنساء الاستراليات.أقيم المعرض في دولة الإمارات العربية المتحدة ولبنان ومصر والكويت وقاعة تشرين الفنية بحلب.
إن حياكة طبقات من القماش بعضها مع بعض لصناعة غطاء للسرير، هي عملية تمارس في كل أنحاء العالم، وفي أبسط أشكالها، فإن (اللحف) تخدم غرضاً عملياً ألا وهو توفير الدفء في الليالي الباردة.
وصناعة (اللحف) لأغراض وظيفية لها تاريخ طويل في استراليا، فقبل استيطان الأوروبيين في القارة بوقت طويل، كان الاستراليون الأصليون الذين يعيشون في المناطق الباردة من القارة يقومون بخياطة قطع جلود الحيوانات مع بعضها لعمل أغطية وعباءات.
وفي السنوات الأولى للاستيطان الأوروبي كانت النسوة المحكوم عليهن بالسجن والمرحلات إلى استراليا يتزودن بأقمشة ويقمن بحياكتها لعمل (اللحف) أثناء رحلتهن الطويلة بالبحر إلى استراليا.
وأثناء سنوات الكساد العظيم في أوائل القرن العشرين أجبرت النساء من جديد على استخدام أي مواد يمكنهن الحصول عليها لهذا الغرض.وفي ذلك الوقت تم تصنيع سجاجيد وبسط من زكائب الدقيق وقصاصات الأقمشة والملابس المعاد تدويرها.
إن فترة المئتي عام الأولى من الاستيطان الأوروبي، اتبع من كانوا يصنعون (اللحف) لمجرد المتعة لا الحاجة، الأساليب التي تم استيرادها من بلاد أخرى. وفي البداية اعتمدوا على التقاليد الأوروبية بصناعة (اللحف) سداسية الشكل وعشوائية لتزيين منازلهم.
وفي السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين تأثر صنّاع الأغطية بشدة بعودة الاهتمام بصناعة الأغطية في أميركا، غير أنه نتيجة للاحتفال بانقضاء مئتي عام على وصول الأوروبيين إلى استراليا عام 1988، بدأ صنّاع اللحف الاستراليون في الالتفات إلى تاريخهم وبيئتهم الخاصة كمصدر للإلهام الفني فكانت النتائج ذات صبغة استرالية.
وأصبح تاريخ استراليا وممالكها النباتية والحيوانية الفريدة من نوعها هي المواضيع الشائعة، وبدأت تباشير الاستخدام الجريء للألوان. ورغم أن أغلب هذه الأغطية صممت لاستخدامها كزينة على الحوائط إلا أنها حافظت على صلاتها بأصولها العملية. وكان معظمها ينتج بأحجام تناسب الأسرة وبقيت محتفظة بتركيبها التقليدي.
ومنذ ذلك الوقت ازدهرت صناعة (اللحف) في استراليا. ومن التطورات العامة ظهور تلك الصناعة كوسيلة للتعبير الفني وتخطت أصولها العملية والجمالية كي تصبح معيناً لاكتشاف الأفكار.
ويوفر شكل (اللحاف) للفنان سلسلة من المزايا لا يوفرها الرسم والقماش الذي يرسم عليه، من ناحية عمق الألوان والملمس والإمكانيات النسيجية. وبحكم أن القماش يمثل جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية فإن له القدرة على الوصول إلى قطاعات عديدة من الجمهور.
ويستغل صنّاع اللحف الاستراليون المعاصرون هذه الخصائص في إنتاج أعمال مبتكرة لا يستمتع المرء بالنظر إليها لجمالها فحسب وإنما ليكتشف معنى أن يعيش الإنسان في استراليا في بداية القرن الواحد والعشرين.
إن القصد من إقامة هذا المعرض خلق بانوراما استرالية ليس فقط من ناحية المناظر، وإنما أيضاً من خلال عرض الأساليب الفنية المختلفة التي ينتهجها فنانو (لحف) الزينة الاستراليون.
فقد تمكن الفنانون المشاركون في هذا المعرض من استيعاب قلب استراليا بصحاريها وخلفيتها الزرقاء وأرضها ذات التربة الحمراء، علاوة على تشكيلات شواطئها ومملكتها النباتية.
فاستحضروا استراليا من خلال أساليب فنية عديدة تشمل الأشغال اليدوية وأشغال الماكينة والرسم والصباغة والطباعة وشغل الإبرة. لقد استخدم الفنانون قدرتهم التخيلية لإضافة لمساتهم الشخصية لرؤيتهم لاستراليا وعبّروا عما يشعرون بأهميته بالنسبة لهم بشأن هذه القارة الواقعة في المحيط الجنوبي.
تأمل ديان شيفال أن يخرج المشاهدون من المعرض وقد زادت معرفتهم ليس فقط بأرض استراليا وإنما بالقدرات التعبيرية التي يتمتع بها فنانو تزيين (اللحف) الاستراليون.
حلب ـ فيصل خرتش: