قال الباحث الإماراتي سلطان بخيت العميمي ان الشعر العامي قديماً كان له دور أكبر من الدوران في دائرة الغزل التي عهدها في الوقت الحالي، وأن الشعر العامي في الإمارات قد مر بثلاث مراحل رئيسية تتمثل بمرحلة ما قبل النفط ومرحلة النفط والثالثة مرحلة ما بعده.
وأضاف العميمي الذي كان يتحدث في محاضرة ألقاها مساء أول من أمس في المجمع الثقافي ـ هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث؛ عن العادات والتقاليد في الشعر الشعبي في مجتمع ما قبل النفط:
تمتد هذه المرحلة لفترة زمنية طويلة تمتد من «بن ظاهر» قبل ما يقارب أربعة قرون إلى ما قبل أواخر الستينات، ولقد كان الشاعر في تلك الفترة أكثر تناولاً لقضايا مجتمعه، وهذه القضايا عبارة عن مظلة كبيرة تظلل العديد من الجوانب.
والتي منها العادات والتقاليد، أما الشاعر في مرحلة النفط وظهور الثروات بعد ستينات القرن الماضي فقد ابتعد عن مناقشة القضايا، وطغى غرض الغزل على بقية الأغراض، وصارت القصيدة غير الغزلية قصيدة «مناسبة» في المقام الأول.
ثم توقف المحاضر عند بعض المقتطفات الشعرية للشاعر «الماجدي بن ظاهر»، وأكّد أنه يشكل حالة خاصة في تاريخ الشعر العامي الإماراتي، وقال: حين كان «بن ظاهر» وغيره من الشعراء يتطرقون إلى مواضيع العادات والتقاليد في قصائدهم؛ فإنهم كانوا لا يتحدثون بصورة مباشرة عنها.
ولكن باعتبارها جزءا حيويا مهما في حياة الناس، وقد وقف بعض الشعراء وعلى رأسهم سالم بن علي العويس موقف المتذمر من العادات التي يتمسك بها المجتمع دون جدوى وفائدة للناس.
وقد وظف العويس أشعاره في توعية الناس في تلك الفترة بضرورة معالجة بعض العادات غير المحمودة أو التي تسبب ضرراً اجتماعياً، كظلم بعض «النواخذة» أصحاب السفن للغواصين.
لقد أدرك العويس أهمية دوره كشاعر - أضاف المحاضر - في توعية الناس والمجتمع بالكثير من القضايا الاجتماعية التي تهمه وتؤرقه.
وتحدث في قصائده عن الظلم الذي لحق المرأة في زمانه بسبب الأعمال الشاقة التي كان يفرضها المجتمع الذكوري على النساء كجلب الماء من الآبار والاحتطاب من البر ونقل الماء والحطب على رؤوسهن، فزجر الرجال في إحدى قصائده قائلاً بأن المرأة يجب أن «تحشم» وتكرم لا أن تحمل ما لا تطيق، ومما قاله في ذلك الصدد:
ليت هالسمت الجديم
ما هدم قدر الحريم
النسا الجنس الحشيم
الظبا طول الرقاب
من سنعنا للطوي
لا خيال وتنطوي
الطوي لك يالقوي
هوب لرفاع الثياب
الطوي لك والحطب
والحريم الا رطب
والرجل كانه حطب
ما حطب غير الثواب
ثم انتقل المحاضر ليسلط الضوء على تجربة مغايرة لتجربة الشاعر العويس من حيث نظرته للعادات والتقاليد والمستحدثات في الحياة الاجتماعية الإماراتية، وهي تجربة الشاعر «علي بن قنبر» الذي هاجم بشدة دخول الملبوسات والأزياء الجديدة في عالم المرأة .
ورأى في ذلك «غضب من الرب» على النساء والمجتمع، كما أن «بن قنبر» - والكلام للمحاضر - رفض حتى الأجهزة التكنولوجية الحديثة - آنذاك - كجهاز «الراديو» و«التلغراف» .
والتي رأى فيها آلات شيطانية ستدمر المجتمع وتفكك روابطه واستقراره، ولم يقتصر الأمر على هذا الشاعر؛ فها هو الشاعر راشد بن ثاني المطروشي يرى في «الراديو» جهازاً ملهياً عن الصلاة وذكر الله، وقال في إحدى قصائده:
ألهاكم «الرادو» عن الدين
عن طاعة المولى تغفلون
الله يهديكم يالسلاطين
ما نقدر لكم لو تعيلون
وعلّق المحاضر قائلاً: من العجيب أن يتحول «الراديو» الذي كان في تلك الأيام جهازاً عجيباً ودخيلاً على عادات المجتمع؛ إلى جهاز يرتبط بالتراث المحلي.
ثم ساق المحاضر بعض القصائد ومعارضات شعرية لها من قبل شعراء الإمارات من مرحلة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، ومنهم: علي بن رحمة الشامسي وسيف بن عبد الرحمن الشامسي.
وعبد الله بن أحمد بن لوتاه الذي كان له قصائد مشهورة في نقد حالات التحديث التي ظهرت في المجتمع بعد الحرب العالمية الثانية، وأضاف المحاضر: لعل من طرائف ذلك الزمن هي قصيدة الشاعر ناصر الغملاسي في حادثة إغلاق أحد الأسواق في عجمان.
ومختصر الحكاية أن حاكم عجمان في تلك الفترة الشيخ راشد بن حميد أمر بإغلاق سوق كان يطلق عليه محلياً «خلص خلص» كان يقيمه الباعة قرب الحصن صباح العيد، بعد أن طلب رجال الدين منه ذلك بحجة أن السوق يكون مكاناً للاختلاط بين الرجال والنساء، ويشغلهم عن الصلاة، فبادر الشاعر «الغملاسي» بإلقاء قصيدته حزناً على إقفال السوق وحرمان الأطفال .
-كما يرى الشاعر- من بهجة العيد وفرحته، وقد رد الشاعر عبد الله بن محمد الشيبه على تلك القصيدة بوجهة نظر تتمسك ببعض العادات والتقاليد الاجتماعية.
كما تناول المحاضر جانباً من شعر الشاعر «الجمري» ونقده لتقليد الشباب لكل ما هو غريب وحديث، مقارناً بين الماضي والحاضر في الملابس وغيرها من مظاهر الحياة، كما وصفت الشاعرة «عوشة بن شملان» في أبو ظبي حياة الناس في الماضي بشيء من الشوق والحنين، وأضاف المحاضر:
لقد وجدنا موقف الشعراء بين مؤيد ومعارض للتغيرات التي تجري في المجتمع من حيث الأزياء وعادات الأكل والشرب والأجهزة الحديثة والمنسوجات وجميع المستجدات التي طرأت على المجتمع المحلي ذلك الزمن.
محمد الأنصاري
