لا تخفي الفنانة الفلندية سويل مايري انغماسها التام برصد كل ماله علاقة في حياة الناس،على المستويين الخارجي والداخلي، وهي بذات الوقت وفي ظل هذا الانشغال، لا تتوقف عن كونها صانعة لوحات على درجة من الاحتراف والخبرة التي تجعل من لوحتها مساحة بصرية مغرية.

إضافة لكونها مساحة صعبة المنال، خاصة أنها لا تترك هذه المساحة رهينة للجماليات المباشرة، بل تمضي بها نحو جملة من الدراسات البصرية، والتحليلية لموضوع اللوحة، الذي ينهض من الحضور الانساني، ويتمد نحو ما يمكن أن يفرزه هذا الحضور على أكثر من مستوى جمالي، وفكري.

تقول سويل مايري «إن العنصر البشري كان ولايزال نقطة الشغف المحورية في رؤيتها للحياة، وقد عايش هذا الشغف في تجربتها التي بدأت بصورة احترافية منذ مطلع السبعينات وبعد تخرجها مباشرة من الاكاديمية الألمانية للفنون الجميلة، بالعديد من المراحل، والتحولات المرتبطة أساساً بالمتغيرات التي عايشها الانسان حول العالم.

ولعل الكتاب الذي يباع على هامش معرض هذه الفنانة الذي افتتح في صالة غرين آرت دبي يعطي للوحات المعروضة حالياً سياقا تاريخياً، ويوضح مجموعة من الآليات العملية، والفنية التي مرت بها تجربة مايري وصلاً الى هذه المرحلة.

وهي في عمومها قائمة على طاقة تجريدية مثيرة، كان فيها العنصر المجرد فيما مضى أكثر وضوحاً، لكنه مع الوقت بدأ ينوء تحت ثقل كبير من الكتل اللونية.

لوحة هذه الفنانة هي مجموعة متداخلة ومتناقضة في ذات الوقت من المشاعر والافكار التي تؤالف فيما بينها، خالقة في مناخ العمل تلك العلاقات البصرية، والدرامية المحكمة وفق ايقاعية تجعل من اللوحة كتلة متماسكة، ومبنية بأسلوب هرمي صلب ومتداخل، رغم كل ما يوحيه الشكل العام من وجود عبثية مفرطة في التعاطي مع النسيج اللوني العام.

وخاصة مع تلك الخطوط، تتحرك وفق عدة حركات، منها ما يشبه حالة التشظي من نقطة مركزية، ومنها ما يتجول بحربة مطلقة ومزاجية على السطوح.

ومنها ماهو متجذر في بنية الموضوع، للدرجة التي تجعل من فكرة تجاهله أو إلغائه يؤدي الى تداعي بنية العمل، وافتقاده لكل ما يتمتع به، من فتنة بصرية ومن محاولة جادة لإعادة صياغة الواقع اليومي وفق قراءة خاصة.

ورغبة في إعادة تقديم هذا الواقع برؤية بصرية تستفيد من امكانية إلغاء ذلك الخط الفاصل بين الواقع والخيال، أو بين ماهو حقيقي وافتراضي، لصالح جملة بصرية جديدة على قدر كبير من الحيوية، والامتاع.

حازم سليمان