وضع المصور الفوتوغرافي اللبناني كمال الحلو نصب عينيه هدفاً يبدو أنه أساسي وجوهري، خاصة فيما يتعلق بآلية علاقته مع موضوعه الفني، الذي أراد له أن يتجاوز مفهوم اللقطة الفوتوغرافية، لصالح مجموعة من القيم البحثية والاستكشافية.
ومن هنا فإن معرضه الفردي الذي افتتح مؤخراً في تاون تاور دبي، يمثل فرصة للتقاطع مع هذه الرؤى، والقيم البحثية، التي خصصها الحلو هذه المرة للمكان الذي مضت عدسته تبحث عنه وتلتقط ملامحه.
وتحاول بالكثير من الحميمية استعادة خصوصية المكان الضائعة وسط هذه الطفرة العمرانية التي تلتهم العواصم والمدن العربية، غير عابئة بأن خصوصية المكان، هي جزء من الخصوصية الثقافية والحضارية.
لعل لبنان الذي طالته حرب عبثية طويلة، عانى أكثر من غيره في سياق خسارته للكثير من الخصوصيات العمرانية التي كان يتميز بها، وحين جاءت سنوات بناء ما تهدم، أخذت المدن والمناطق تذهب باتجاه العمران الحديث، الذي تتشابه فيه جميع المدن الحديثة، وربما كانت هذه النقطة هي المنطلق الذي قاد الحلو لخوض مشروعه في البحث عن هوية المكان.
واقتناص بقايا العمارة القديمة، وتلك البيوت المهملة، المهجورة، والمهددة، التي لم يبق منها أكثر من ملامح، ومؤشرات مبهمة لحياة عامرة وحافلة.
ومن هنا فإن لقطة الحلو الفوتوغرافية، تتجاوز فكرة التسجيل والتوثيق رغم أنها تقوم به ولو بطريقة غير مباشرة، وتمضي نحو ما يمكن تسميته استئناس المكان.
وأنسنة وحشته الواضحة والبارزة، بمعنى أن هذه الصور تحاول بشكل أو بآخر استعادة جملة الملامح الانسانية لهذه الأمكنة وليس مجرد الجدران، والأروقة، والشكل العام، وفق مبدأ الصورة الحية والنابضة والقادرة على البوح.
وهي ميزة لا يتمتع فيها الكثير من المصورين في جعل الصورة تتجاوز مواتها الحتمي لكونها صورة، نحو قوة داخلية مستمدة من قدرة المصور على شحن عمله بالمشاعر، ومهارته في خلق توازنات.
وتفاعلات بين عناصر العمل ومكوناته، يمكن للصورة أن تبنى في المخيلة رغم أن أصلها موجود على أرض الواقع، يمكن لها أن تصير بموجب حميمية العلاقة بين المصور وآلته عملاً فنياً حقيقياً، يمكن إخضاعه ودراسته وفق الطرق المنهجية لدراسة العمل الفني، وهذا ما يمكن الإشارة له في صور الحلو التي تتموضع فيها جملة من العناصر، التي تجعل منها حالة إبداعية حقيقية.
الحديث عن البراعة في هذه الأعمال أمر مفروغ منه، لأننا لا نتحدث عن مصور هاو، قد تخدعه جمالية اللقطة فينقاد خلفها، بل عن فنان صاحب مشروع، يقدم تجربته باعتبارها حالة بحثية، مستمدة من دراسة مسبقة للموضوع، وقيمة هذا الموضوع.
وقابليته ليكون حالة إبداعية متكاملة العناصر والأبعاد، إن معرض هذا الفنان هو مناسبة للتعرف على تجربة شابة ومحترفة في مجال التصوير الفوتوغرافي، وأيضا هو فسحة تستحضر المكان، باعتباره مكمناً للذاكرة، والخصوصية، وربما الهوية، ثمة ما يوحي بأن هذا المعرض هو جزء من بحث مضن عن الذات، وسط هذه التحولات اللامنتهية.
حازم سليمان