دفع الإعجاب والاندهاش فريقاً إعلامياً من مجلة العربي الكويتية زار موريتانيا أواخر سنة 1958 حين هالهم قدرة الموريتانيين نساء وشبابا وشيوخاً على قرض الشعر بسهولة ودون تكلف، إلى إطلاقهم لقب «بلد المليون شاعر» على هذه البلاد.

وهو لقب يعتقد الكثير من الكتاب والصحافيين الموريتانيين أن له ما يبرره لأن الشعر ارتبط ارتباطا عضوياً بأهل هذه البلاد منذ القدم وأصبح جزءا من حياتهم اليومية يمارسونه في كل الأوقات وفي مختلف الظروف دون أن يكون في الأمر تعطيلا لحياتهم العادية.

«البيان» التقت الشاعرة والأديبة الموريتانية الشابة ليلى بنت شيغالي ولد أحمد محمود وأجرت معها هذا الحوار:

* ما سبب توجهك للحقل الأدبي والشعر منه بشكل خاص؟

ـ يعود السبب في ذلك لوجودي في وسط أدبي يشكل الشعر حديثه اليومي، فوالدي أستاذ أدب يدرسه في المدرسة والبيت ويقرض الشعر وينقده، فلا غرابة على من تربى وسط هذا الجو أن يكون الأدب سجية من سجاياه وقد نشأ عن ذلك حب وصل حد الشغف للأدب والشعر مما جعلني لا أكتفي بمجرد قراءته.

وإنما قررت أن أخوض غماره وأن أساهم في إثراء ساحتنا الأدبية، وبدأت الكتابة الفعلية للشعر سنة 1993 حيث كانت أول قطعة شعرية أنشدتها رثاء لوالدي نتيجة للمشاعر التي طغت علي حينها والتي انفجرت على لساني شعرا.

* هل لك أي مشاركات في التظاهرات الثقافية التي يتم تنظيمها وما طبيعة تلك المشاركات؟

ـ كانت أول مشاركة لي في تظاهرة من هذا النوع تتمثل في حضور أيام تفكيرية منظمة من طرف عمد موريتانيا حول تثمين تراث مدينة شنقيط، ضم هذا الملتقى العديد من الشخصيات العلمية والثقافية في موريتانيا وخارجها.

ونظمت على هامش الملتقى عدة أمسيات شعرية، فأنشدت في إحدى هذه الأمسيات قصيدة تحت عنوان «شنقيط والتاريخ» ولم يكن الأمر أني أنشدت تلك القصيدة في شنقيط تلبية لضرورة المناسبة فقط وإنما كان ذلك نتيجة لحضور شنقيط الطاغي في قلبي بإرثها التاريخي الضارب في القدم، فقد كانت أغلب قصائدي تغريدا بها.

وبالإضافة إلى هذا كتبت في مختلف الأغراض من غزل ومديح ونصح مركزة على الجوانب التي تهم المرأة والفتاة الموريتانية، فلكوني امرأة أعتقد أني أقدر على تمثيل مشكلات المرأة الموريتانية وتقريبها من القارئ وهذا ما أعتقد أني فعلته في القصيدة التالية والتي تحدثت فيها بأسلوب حواري عما ينبغي أن تكون عليه الفتاة الموريتانية اليوم

* بالإضافة إلى إسهامك الشعري هل كان لك إسهام في الميدان الإبداعي للأجناس الأدبية الأخرى من قصة ورواية؟

ـ بدأت كتابة القصة القصيرة في نفس الفترة التي كتبت فيها الشعر، ولي مجموعة قصصية مهيأة للنشر تحت عنوان «بنت من بنات شنقيط» تحكي عن الظواهر المنتشرة في بلاد شنقيط والتي كانت الفتاة تدفع ثمنها مثل الزواج المبكر وتفشي الطلاق.

وأثر ذلك على ضياع الأبناء وجميع الظروف التي تتعرض لها المرأة بوصفها العنصر الأضعف في المجتمع من وجهة نظري لذلك فإن كل قصصي تتحدث عن النساء وظرفهن والمشكلات التي يعانين منها.

*هل أنت راضية عن الساحة الأدبية حالياً وما هو تقييمك لها؟ وهل تعتقدين انها تعكس القيمة الحقيقية للأدب الموريتاني؟

ـ بالمقارنة بين ما أدركت عليه الساحة من بعد نظر وثراء في مختلف المجالات الثقافية.

وما أعيشه اليوم أرى أن الساحة الثقافية تحتاج الكثير رغم كثرة الأدباء والشعراء والكتاب إلا أنهم بمثابة باقة الزهور البلاستيكية تراها بكل لون بلا أريج ولا عبير فتعددت الأشكال والقوالب وافتقدت الجواهر والمضامين.

ولا أنكر ميلي الشخصي إلى القصيدة بقالبها القديم الذي يذكرني بعهود قوة الشعر العربي حيث كان صفاء الديباجة وقوة الأساليب وتماسكها هو الحكم في جودة الشعر من عدمه غير أني أجد أن شعراء اليوم ينقصهم الكثير، فالمجيدون منهم ندر أغلبهم ولم يعد بوسعه كتابة الشعر بأوزانه الخليلية .

ولا يستطيعون استخدام لغة امرئ القيس لقلة الجمهور الذي يستطيع فهمها واستقبال ذلك النوع من الفن، وهذا في نظري يرجع إلى تردي اللغة الشعرية وضحالة معانيها وعدم قدرتها على تحريك المشاعر.

والنصيحة التي أقدمها لجيلي من الشعراء هي الرجوع بالشعر إلى فحولته القديمة بقوة سبكه وجزالة معانيه وتعالي أسلوبه عن أساليب التخاطب المألوفة .

وذلك يكون بمراعاة الجوانب الفنية في القصيدة من صور وموسيقى وغير ذلك، فلا بد للشاعر من خيال واسع يجول بموجبه المحسوس مرئيا والمرئي محسوسا والبعيد قريبا والقريب بعيدا.

فالشعر ملكة تتقوى في الإنسان مع التقدم في العمر بالقراءة في دواوين الشعراء والقواميس اللغوية وكتب الأخبار والسير، وهو خلاصة تجربة إنسانية يقدمها صاحبها لبني جلدته بأسلوب بليغ يأخذ الألباب فيوجههم الوجهة التي يريدون.

*هل تجدين تنافرا بين تاء التأنيث والشعر؟

ـ لا بالطبع، فالمرأة أقرب لقرض الشعر من الرجل لرقة مشاعرها ورهافة أحاسيسها، فهي عاطفية والعواطف هي الرافد الأساسي للشعر.

كما أن التاريخ يطالعنا بأسماء العديد من الشاعرات في مختلف العصور العربية، كما أن المرأة أقرب وأسرع تأثرا بالأحداث الاجتماعية التي تتخلل المجتمع فلماذا لا تعبر عن ذلك بأسلوب أدبي إذا توفرت لديها الموهبة.

* ما هي أهم الصعوبات التي واجهتك في مسيرتك الشعرية؟ وما مدى تأثيرها على مشوارك الإبداعي؟

ـ أهم الصعوبات التي تواجه المشتغلين بالأدب هي عدم وجود دور نشر في البلد أو جهات خاصة تقدم الدعم الكافي للتعاقد مع دور النشر العالمية.

وهذا ما تلخصه القطعة الشعرية التالية التي كتبتها بعد أن طرقت كل السبل لنشر إنتاجي الأدبي وإنتاج والدي وهي تعبير عن حجم المعاناة التي أعانيها ويعانيها أمثالي من الأدباء الذين لا يجدون سبيلا لإيصال إبداعاتهم للجمهور مما يجعله فريسة للإحباط.

موريتانيا ـ بشير ولد ببانة: