كان القطار ينهب بنا الدرب بين مدينة (دريسدن) ومدينة (برلين). الأبيض الوسيم يغطي الأرض، ويملأ الآفاق، والشمس قرص برتقالي، هو الآخر يسافر معنا، يركض أحياناً على حدود الغيم، وأحياناً أخرى يتمسح بسيقان الشجر وأغصانه المسكونة هي الأخرى بالثلج.
غير أن الشمس سرعان ما ابتلعها جيش من الضباب الثلجي الكثيف، هجم عليها من الغابات وتخوم التلال الصغيرة، ومنابت الجفنات المذعورة الشاردة عن قطيع الشجر الباسق.
عيناها الزرقاوان الحزينة. شعرها الأشقر المنسكب من نقطة مركزية، والموزع في كل الاتجاهات، والمنتهي بخصل صغيرة على الجبين وأطراف العنق.
صورة لا تغيب من الذاكرة. صامتة كانت وجميلة. وحزن عينيها، مساكب حبق بري مهجورة.إغماضاتها المتقطعة، زنابق حمراء في حقول الثلج المستعمر لكل شيء في الخارج.
دفء عينيها الحزين، رحابة الأبيض المسكون بالزمهرير، وهذا القطار الذي ينهب بنا الدرب، في عجلة غير المتعب: أشياء أيقظت فيَّ رغائب لا تقاوم لأن أسأل:
قلت: لعينيك وهي صامتة كآبة الخلجات المنسية.. هل أنت حزينة؟
قالت وقد فاجأها السؤال: أنا مسكونة بما يشبه الحزن ـ السعيد. الدخول إليَّ مطهم بالحزن، وكذلك الخروج مني.
في المسافة الممتدة بين زمن الدخول وزمن الخروج، تزهر مساكب فرحي السعيد غير العادي. من يسكن هذه المسافة يؤرخ للحياة بما يشبه الفرح العميق الذي لا يتجلى سوى على الشعراء والفنانين والقديسين.
قلت: غير أن الحزن قد يغتال الرغبة في كشفها، قد يعطب اندفاعة الراغب في الدخول إلى هذه المسافة الحرجة؟!
قالت: من هنا يأتي تفردي. هذا امتحاني الكبير، هكذا أغربل المندفعين، أنا لست سهلة، لكني لست مستعصية أيضاً!!
قلت: حزنك غير عادي، مخيف وممتع معاً. امتحانك صعب ومغر، لكن غربالك هذا غير مضمون النتائج دوماً؟!
قالت: للمرأة قدرة خاصة على الفرز الصحيح، وهي عادة لا تخطئ.
قلت: بي رغبة الكشف وخائف. مسكون أنا بالرغبة.. مسكون بالخوف!!
قالت: لكل بداية رهبتها، أو هكذا يجب أن تكون.
ليس المهم أن تكون مسكوناً بالرغبة، المهم أن تكون مسكوناً بالعمل الذي يترجم هذه الرغبة إلى ممارسة، بغض النظر عن الأحاسيس الهامشية الأخرى والتي غالباً ما تكون عابرة ولا مبرر لها.
قلت: غريب.. أشعر أنني مسكون فيك؟!
قالت وزنابق إغماضاتها العجيبة تتنامى غازية كل هذه الآفاق البيضاء بالأحمر القاني: وأنا أشعر أنني مسكونة فيك.. نحن نتحد!!