إن اللمحة الموجزة التي أضافها القائمون في اتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات، على نشر ديوان ظبية خميس «شغف ـ رسائل حب» تؤرخ رغم عفويتها لغربة الشاعرة واغترابها، أكان على صعيد مغادرتها لحيز أسست فيه بدايات إبداعية مغايرة، أو على صعيد بحثها عن مكان آخر تجد فيه حيزها الثقافي وحراكها الاجتماعي أثناء دراستها في أميركا وبريطانيا ومصر.
وما يستوقف القارئ هي تلك الإشارات المهمة التي تقول إن الكاتبة الإماراتية ظبية خميس أصدرت أكثر من ثلاثين كتاباً في مجال الشعر والقصة والنقد والترجمة والمقالات الصحافية في عواصم مختلفة.
ديوان الشاعرة «شغف» وهو أحد إصداراتها الشعرية الأولى في الإمارات، أحد التعبيرات عن تمظهرات ذاك التداخل بين الغربة والاغتراب، وفي أرقى تجليات المشاعر الإنسانية، إلا انه الحب، نسغ الروح وعراب المواسم، لكن من يقرأ الديوان «شغف» سيجد دون أدنى شك ان الكاتبة لا تبحث عن حبيباً معين .
ولا تغازل حبيب بعينه، لانها على ما يبدو قد تجاوزت في مفهومها للحب بشرية العلاقة أو ذاتيتها أو اقترابها المرضي من الامتلاك، فالعلاقة الشائكة المزهرة بين غربة الكاتبة واغترابها راكمت لدى الشاعرة كمّاً من العواطف لا تتسعه ادعاءات رجل أو أعراف مجتمع.
ولا تحده خرائط العالم أو فضاءات الكون.. إنه حب إنساني يتبرعم بحرية في كل الفصول ويزهر شعراً تارة وبوحاً أو هذياناً صوفياً تارة أخرى.
حضورك فيّ/ غياب لكل ما جاء قبلك/ حضورك شمس تطارد كل أضغاث الظلام/ وحتى نور القمر وغوايات النجوم../ كيف تسكنني دون أن أراك/ كيف تصحبني كظلي.
لكن هذا الحضور حين يتجلى دون ملامح لشخص خارج هيام الحب، تنجلي حالة الحب بأبعادها الميتافيزيقية، أو برونقها العام الخالص كحاجة روحانية عاطفية أسمى من رغبات الجسد أو مشاعر الامتلاك..
وربما هي أقرب إلى تعبيرات صوفية عن ذاك التماهي تارة، والإحساس بافتقاده تارة أخرى، وما يثير الدهشة ان الكاتبة مدركة تماماً لحالاتها الشعورية ولأبعادها الفلسفية ولأدواتها وطرائق بوحها، وكأنها مسؤولة بدقة عن كل حرف في كلماتها أو كل كلمة في جملها.. تقول في قصيدة «أنا.. والحلاج»:
كان الحلاج يدور بفانوسه/ نهاراً يبحث عن الله/ أما أنا فتحت نور الشمس/ وفي ظلام الليل/ أبحث عنك.. هنا/ في قلبي.
ويتجلى البعد الفلسفي عند الشاعرة في استخدامها لجدلية العلاقة بين الحياة والموت، أو في الاتكاء على مفاهيم دينية كخلق الله للمرأة من ضلع الرجل، كما في قصيدة «عن قرب».
هل خلقني الله من ضلعك/ أيهم؟/ أهو ذلك الأقرب من قلبك/ كنت دائماً أكرر: أنا المرأة الأرض كل الضلوع/ اليوم/ لو أن ذلك الضلع هو ضلعك/ الأقرب إلى قلبك/ هو أنا/ لما تمنيت من الله ما هو/ أكثر أو أقل من ذلك.
وما يميز الشغل على البعد الصوفي للتوحد أو ما يسمى بالنيرفانا الهندية، هو الإسقاط الخاص للشاعرة على علاقة الذات مع الآخر من جهة وعلاقة الذات مع الذات من جهة أخرى، في أجواء ساحرة وتداعيات وهذيانات وحالات فصام ترقى بالحب إلى مستويات مغايرة... ونستطيع أن نتبين ذلك في مقاطع من قصيدة «مرض العشق» تقول فيها:
لا يهددني فناء يرتدي ثوب الوجود/ أحيا.. نعم أحيا حياتي الناقصة هذه/ أموت تكراراً ومراراً/ ثم لا ألبث أن أحيا من جديد/ على حافة ينبوع أشرب مائه دفقة/ أسميه الحب، الدهشة، الذهول/ ويتراءى لي أنني أرى نطق روحي/ أرواحاً أخرى/ تسير حروفاً، لحماً، ودماً/ أفرح بها وأباهي الأكوان... إلى حين.
حب الحب
في الديوان قصص عشق وخيانات وشكوك وأوهام ومشاعر غيرة وحسرة وألم وبهجة وانكسارات وكراهية.. تناولت الشاعرة كل ذلك بدراية ونضج يجعلان القارئ يعتقد أن هذا الديوان استغرقت كتابته عشرات السنين.
وتمحورت كل رسالة فيه بعد تجربة عميقة، إذا كل رسالة من رسائل الديوان تحدثت عن حالة حب مستقلة، لكن ثمة خيوط أو قواسم مشتركة تربط بين كل تلك الحالات والتجارب، ومن أهمها ان ثمة شغفا عند الشاعرة هو الشغف بحب الحب، أي الشاعرة تحب حبَّ العشيقين اللذين تكتب رسائلهما.
. والقاسم المشترك الثاني هو أن المرأة في كل تلك العلاقات ليست مستضعفة أو خاضعة، انها تمثل الطرف المكافئ، ليس في لحظات الفراق أو الافتقاد وحسب، بل في لحظات البوح عن المشاعر الجياشة والأحاسيس المرهفة..
والقاسم المشترك الثالث هو الخيبة، ففي أشد حالات العشق ثمة فراق، وفي أعمق لحظات التوحد ثمة فراق، وفي أجمل مشاعر الهيام ثمة غصة، وفي ربيع العلاقة ثمة اصفرار خريفي..
مهيئة نفسي دائماً/ لشواع أزينها بعاطفتي/ أؤجج أنوارها/ وأنتظر قدوم ذلك الذي يجلب لي/ في خطوته سعادتي/ تحت أمطار الشغف التي تهمي/ مني من كل حدب وصوب/ غير ان قنديلي السحري يقبع/ في كفي محرقاً يدي/ وقلبي معاً.. حيث نوره الذي يضيء الخارج/ لا يبدد حلكة الظلام في داخلي.
محمود أبو حامد
