أطفأ كاتب الأوروغواي خوان كارلوس أونيتي لفافة تبغه الأخيرة في اليوم الأخير من شهر مايو عام 1994، في مساء ماطر، ممددا على السرير، يغذي نفسه بقراءات متنوعة نهمة، بعد أن كان قد كتب كل شيء على الإطلاق طوال ليال كاملة متتابعة في نوع من الهجوم الهائج الذي ليس له قرار وبعد أن كان قد دخن بصورة لا رحمة فيها طوال كل تلك الفترة. بعد 12 عاما، يضرم أونيتي نار أعماله الكاملة.
ويضم المجلد الأول من هذه الأعمال الكاملة، الصادرة عن منتدى قراء غالاكسيا غوتنبيرغ ومقرها مدريد، رواياته الأولى: «الجب» الصادرة عام 1939 ، «أرض لا أحد» الصادرة عام 1941، «لهذه الليلة» الصادرة عام 1943، «الحياة قصيرة» الصادرة عام 1950، « الوداعات» الصادرة عام 1954 وملحق يضم رواية «زمن العناق» الصادرة عام 1934.
المجلد الثاني سيتضمن «من أجل قبر بلا اسم» الصادرة عام 1959، «وجه المصيبة» الصادرة عام 1960، «مسند الرماح» الصادرة عام 1961، «مجلس جثث» الصادرة عام 1964، «الموت والطفلة» الصادرة عام 1973، «لنكلم الريح» الصادرة عام 1973، «حينذاك» الصادرة عام 1987 و«وعندما لا يعود مهما» الصادرة عام 1993، أما الجزء الثالث فسيضم قصصا ومقالات.
المعروف عن أونيتي أنه لم يأبه أبدا لحفظ مخطوطاته ولم يفكر بالمستقبل ولا بالقيمة المادية للأشياء. فلقد أضاع النسخة الأولى من «الجب» في عام 1931.
وبعد عشر سنوات أضاع مخطوط «زمن العناق» الذي لم يستعيده كاملا أبدا. وبصورة عامة، فإنها قليلة النسخ الأصلية من أعمال أونيتي التي تم الاحتفاظ بها قبل زواجه من دوروذيا موهر، دولي، في عام 1955، حين أخذت هذه المرأة المثابرة على عاتقها منذ ذلك الحين نسخ نصوصه على الآلة الكاتبة، فضلا عن تنسيقها وحفظها.
كانت دولي نظامه. و أعرب دائما عن لذة حسية في رسم الأحرف، حرفا تلو الآخر، التي تكون نصوصه- على حد تعبير دولي أونيتي- وفي حالات كثيرة، كان يكتب بقلم الرصاص، ببعض أقلام الرصاص التي كنت أبريها له .
ويتركها مصفوفة على الطاولة ملطخة بلفافات التبغ في غرفة نوم المنزل الواقع في شارع غونزالو راميرز، بمحاذاة شاطئ مونتيفيديو. وبقلم الرصاص أيضا، كان أونيتي يصحح الأخطاء المطبعية، كما في حالة «الجب» .
وذلك على النسخة التي حفظت من الطبعة الأولى الصادرة عام 1939 أو على « الوداعات» التي أرسلها بنفسه عام 1954 إلى صديقته إيميا فيلارينيو مع بعض الأخطاء المصححة على النص.
كما أخضع أوميتي «من أجل ليلة أخرى» لمراجعة عميقة عام 1966 ، بمناسبة صدور طبعتها الثانية، وحذف العديد من الأجزاء وأدخل عليها العديد من التعديلات والتصحيحات وبعض الإضافات.
إحدى تجاربه المؤسفة أكثر من غيرها والتي تركت بصماتها في حياته كانت حجزه في فبراير 1947 في مونتيفيديو في مصح عقلي لمدة ثلاثة أشهر لأنه شارك كمحلف في لجنة تحكيم الجائزة الأدبية لمجلة «مارشا»، التي ذهبت حينها لرواية «حراس شخصيون» التي انتقدت موت أحد ممارسي التعذيب وحظرت الديكتاتورية نشرها.
آنذاك حظي أونيتي وبقية الأشخاص المعتقلين معه بدعم كتاب ومؤسسات من سائر أنحاء العالم. لكنه رغم ذلك لم يفقد إيمانه بالإنسان. وبقي أونيتي صامدا في عمله وحياته .
باسل أبو حمدة