أكد المشاركون في ملتقى الشارقة للشعر العربي، الذي اختتم فعالياته أمس أن هناك إرادة لكي تتواصل هذه التجربة في «بيت الشعر»، فالشعر لا يمكن أن يظل موقوفاً على الكتاب، وإنما يحتاج إلى رئات متعددة كي يتنفس هواءً متجدداً،.
واعتبروا أن الملتقى حقق تنوعاً إقليمياً وفنياً، وأتاح فرصة للجميع كي يجددوا صداقاتهم ويؤسسوا لصداقات جديدة، ويغنوا تجاربهم ويطلعوا على تجارب الآخرين عن كثب..
ومع ذلك فإن هناك من يرى أن الملتقى بحاجة إلى تطوير وتجذير آليات بحثه في أعماق التجربة الشعرية العربية المعاصرة عبر لقاءات تضم الشعراء ومنظري الشعر كي تسهم في تحريك الراكد حول المسألة الشعرية وأنماط تعاطيها..
غياب مقلق
الشاعر البحريني قاسم حداد يرى أن ما ينقص الملتقى هو غياب التجارب الشعرية المحلية، وقال: إن هناك أسماء شعرية مهمة من الشعراء الشباب الإماراتيين المعروفين الذين يشكلون عناصر مكونة وحقيقية للشعر في الإمارات غابت عن الملتقى.
وتمنى حداد أن يتم تدارك هذا الغياب المقلق الذي لم يعد مقبولاً.
من ناحيته قال الشاعر المغربي حسن نجمي ان أول ما أثار انتباهه هو أن القصيدة الجميلة في الإمارات لم يكن لها حضور في الملتقى لإدراكه وقناعته ـ من خلال قراءاته المتعددة لشعراء إماراتيين ـ بالتجربة الشعرية فهي ليست في الإمارات بهذه الهشاشة التي حضرت بها في الملتقى.
وأكد نجمي ان القصيدة الشابة في الإمارات هي واحدة من اللحظات الرفيعة في المشهد الشعري العربي الجديد.. لذلك ينبغي لبيت الشعر أن يلعب دوراً أساسياً في إبراز الخريطة الشعرية الإماراتية بوجهها المضيء الشفيف، ووجهها الحقيقي.
الشاعر السوري علي كنعان تساءل عن إشكالية العلاقة بين المثقفين والجمهور، فهناك ـ برأيه ـ مبدعون كثيرون، ولكن هؤلاء المبدعين محرمون من الجمهور، ولا يتفاعلون مع المؤسسات الثقافية، ولا يشاركون بالملتقيات.
وعندما لا يكون هناك حاضنة اجتماعية للثقافة لا وجود لها، فأي شاعر يكتب، يكتب لكي يُقرأ، أو يكمل القراء ما أنتجه، فالقصيدة لا وجود لها دون قراء.. وهنا تكمن مشكلتنا رغم أن حضارتنا الإسلامية بدأت بـ «اقرأ».
شوقي بزيع الشاعر اللبناني يقول: بدون أدنى شك لم يكن المشهد الشعري الإماراتي ممثلاً بشكل كافٍ في الملتقى، فهناك تيارات مختلفة لقصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، بينما في المشاركات كان ثمة طغيان للقصيدة العامودية، وتمنى بزيع ان يكون هناك مراعات لهذه المسألة في بيت الشعر الذي يعد مؤسسة متنورة ومتقدمة، تشكل علامة مضيئة في الإمارات والخليج.
الندوات المصاحبة
في الوقت الذي اعتبر فيه الشاعر المصري إسماعيل عقاب ان الملتقى من ناحية الشعر حقق تنوعاً إقليمياً وفنياً وأعطى فرصة لكل الاتجاهات، إلا انه يرى ان ما ينقصه هو عدم وجود ندوات ومحاور وأبحاث نقدية.
ويشاطره الرأي الشاعر حسن نجمي والشاعر شوقي بزيع كما يرى الشاعر قاسم حداد انه لا ضرورة للإكثار من الندوات، ويمكن ان يخصص لها وقت آخر، فهذا الملتقى للشعراء عله يتسع للحضور المتنوع للتجارب الشعرية..
ويؤكد على ذلك الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم الذي يرى انه عندما يقرأ الشعر يصمت كل شيء وعندما يخصص الوقت لأمسية شعرية يجب الا يداخلها شيء آخر.
وان كان الشاعر بزيع يفضل ان يكون الشعر صافياً، بمعنى ان أي نقاش بعد الأمسية يفسد متعة الشعر، إلا انه يدعو إلى إقامة حوارات مفتوحة في صباح اليوم التالي للأمسية، لا تكون نخبوية او أكاديمية، حوارات حيوية بين الشاعر والجمهور وبين الشعراء أنفسهم، ويا حبذا لو تقام قرارات نقدية للتجارب المشاركة.
ولا يكتفي الشاعر نجمي بذلك بل يرى من خلال تجربة بيت الشعر في المغرب انه من المفيد اغناء الملتقيات بعمل موسيقي مصاحب للأمسية الشعرية أو بعمل بصري تشكيلي أو استضافة شعراء عالميين بحيث ينفتح المهرجان الشعري على جغرافيات أخرى من خارج الوطن العربي وخطابات وتجارب شعرية بلغات أخرى.
رؤية خاصة
الشاعر شوقي بزيع يؤكد على ما حققه الملتقى من تفاعل ثقافي وانساني، لكنه يرى ان الهامش الذي يقوم على ضفاف هذه المؤتمرات قد يكون أهم من الملتقى نفسه بمعنى ان ثمة لقاءات تحدث في الفنادق والأروقة والمقاهي..
تكون أكثر ثراء من حيث النقاشات المطروحة داخل الندوات وربما يقرأ بعض الشعراء في هذا الهامش قصائد أجمل من تلك التي يقدمونها في مشاركاتهم لأنها تكون أكثر حميمية ودفئاً وأكثر قابلية للمغامرة والتجريب.
وهو أمر لا يحتمله المنبر، حيث يضطر الشاعر إلى اختيار قصائد حماسية أو سياسية ذات النبرة العالية كي تصل إلى الجمهور وسط السجال الضمني الذي يقوم بين شعراء الليلة الواحدة، وهذا يؤدي إلى اختيار قصائد أكثر كسباً للجمهور، لكنها أقل قيمة على المستوى الفني، وتخضع لمعايير خارجة عن الشاعر.. لذلك يفضل بزيع ان تكون الأمسيات منفرد.
محمود أبو حامد