لم يطل الوقت بمعرض دبي الدولي لفن الخط العربي، ليصير واحداً من المعارض الفنية التخصصية الأساسية على خارطة المعارض والمسابقات الدولية في مجال هذا الاتجاه الفني العريق والتي تعود العديد من المراجع إلى ما يزيد عن العشرة قرون خرج منها روائع فنية لم تنحصر في مجال الكتابة والتزيين الورقي، بل امتدت إلى فن العمارة الإسلامية ذات الشواهد والآثار البديعة في أكثر من موقع ومكان عبر أرجاء العالمين العربي والإسلامي بصورته الأشمل.

ولعل الذي ساعد هذا المعرض في أن يتحول عبر ثلاث دورات إلى نقطة استقطاب، لكبار الخطاطين والمتخصصين في هذا المجال، أنه متخصص في اتجاه فني على غاية من الخصوصية والحساسية في وجدان أمة كبيرة تشعر بالخطر على ثقافتها وما أفرزته هذه الثقافة من فنون مرتبطة بها ارتباطاً جذرياً، ومصيرياً،

رغم جملة المحاولات المعاصرة في إقحام فن الخط العربي في المنهجيات البصرية الحداثية، بغية إخراج هذا الفن من تبعيته للغة العربية، إلى تبعية تشكيلية صرفة، بمعنى أن يتسم بمقومات حياة جديدة بمعزل عن ارتباطه بقواعده المعروفة ومناهجه غير الخافية على أحد، إن معرض دبي العالمي لفن الخط، يحتفي بالخط بمعناه ومحتواه، وليس في تشكيلاته البصرية، يفسح المجال أمام الخطاطين المحترفين،

وليس أمام التشكيليين الذين اعتمدوا على الخط العربي كأداة لإيجاد هوية للوحة التشكيلية العربية في بعض الأحيان، وكأداة تزيينية في كثير من الأحيان، ولعل هذا الأمر يمثل واحدة من أهم القيم الخاصة التي ينفرد فيها هذا المعرض، في إيجاد لنفسه ذلك الطابع الخاص البعيد عن مفهوم الحروفية، لصالح الخط بأنواعه واتجاهاته، والفنون المرتبطة به من تزيين، وتذهيب،

والوصول بالخط والحرف إلى أقصى الأشكال التعبيرية، دون الخروج به من جملة قواعده الناظمة ومدرسيته الصارمة. حقق المعرض في دورته الثالثة زيادة واضحة في عدد المشاركين وعدد الدول وبالتالي في عدد الأعمال التي تجاوزت 120 عملاً، لعدد من كبار الأسماء المعروفة في العالمين العربي والإسلامي،

حيث وضعت اللجنة المنظمة نصب عينيها محاولة توسيع رقع استقطاب المعرض لأسماء قد لا تكون معروفة لدينا، غير الأسماء الكبيرة والمخضرمة في هذا المجال، ومن نتائج هذه المساعي مشاركة خطاط من اليابان، وهو كو ئيتشي هوندا والذي اختار لنفسه فؤاد كاسم أول، ولهذا الخطاط الياباني حضوره الكبير وجهوده في تعليم وانتشار فن الخط العربي في بلاده، عبر تعليمه في جامعة دايتو بونكا اليابانية، والمعهد الإسلامي في طوكيو،

وقد تعلم هوندا فن الخط العربي على يد الخطاط التركي المعروف حسن جلبي، وتنتشر أعماله في الكثير من المتاحف الشهيرة حول العالم، مشاركة هذا الرجل هي واحدة من مميزات هذا المعرض واتجاهه البحثي عن المزيد من الأسماء العاملة في هذا المجال، هذا إضافة لعشرات التجارب والأسماء ذائعة الصيت من تركيا وإيران والدول العربية.

يحتاج الوقوف أمام جميع الأعمال المعروضة إلى قدرة خاصة على فهم خصوصية هذا الفن، والى مساحة كبيرة يمكنها استيعاب مجموعة التجارب التي يصل بعضها حد الإدهاش ليس على مستوى الخط بل على المستوى العام للأعمال والجوانب الجمالية المحيطة بالجملة والتي تتسامى معها وتحاول أن تكون فضاءً مستوعبا لمعناها اللغوي،

لكن الحالة العامة لهذا المعرض تمثل بمفردها قيمة ليس لنا تجاهلها وهي في العمل على خلق نوعية جديدة من الحركة السياحية في دبي، متمثلة بالسياحة الثقافية، والتي تستقطب بدورها نوعية جديدة من السياح، وبالتالي فإن الأمر يتجاوز من قبل الجهة المنظمة وهي دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي، مجرد إقامة معرض لصالح التأسيس لمناخ جديد يتكامل مع جملة الخصوصيات المعروفة لهذه المدينة،

بالإضافة لكونه يُفرد مساحة خاصة للسجال الفكري والتنظيري والتأريخي عبر مجموعة الندوات والمحاضرات المقامة على الهامش، إلى جانب الجناح الخاص المخصص لمشاركة العشرات من الأسماء الشابة والمتدربة في هذا المجال في إشارة واضحة إلى وجود من يدعمهم، وينظر إلى جهودهم بكثير من التقدير.

حازم سليمان