عندما اخترع الانجليز كرة القدم لم يتبادر إلى ذهنهم أبدا أنها قد تتسبب في حرب ضروس بين دولتين جارتين.. لكن هذا ما حصل فعلا بسبب تصفيات قارة أميركا الجنوبية المؤهلة لنهائيات كأس العالم التي أقيمت عام 1970 في المكسيك. وبدأت الحكاية عندما تغلبت هندوراس على السلفادور 1/صفر ثم خسرت أمامها صفر/3 فأصدر الرئيس الهندوراسي قرارا بترحيل 300 ألف مزارع سلفادوري كانوا يعملون في حقول هندوراس مما أغضب حكومة بلادهم وقررت قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وعلى الرغم من الازمة التي كانت مشتعلة بين الطرفين خاض منتخبا الدولتين مباراة فاصلة في المكسيك سادتها الروح الرياضية العالية بين لاعبي الفريقين الذين تصافحوا عقب نهاية اللقاء الذي انتهى بفوز السلفادور 3/2 في الوقت الاضافي. لكن لم تمض بضع ساعات حتى أغارت الطائرات العسكرية الهندوراسية على مواقع للجيش السلفادوري المتمركز على الحدود بين البلدين.
وجاء الرد السلفادوري سريعا حيث توغلت القوات العسكرية في الاراضي الهندوراسية لمسافة 40 ميلا فاندلعت حرب شرسة بينهما راح ضحيتها الالاف من البشر قبل أن تتوقف في 18 يوليو عام 1969. وفي آخر لحظات هذه البطولة نشبت حرب من نوع آخر حين اندفع نحو خمسة آلاف متفرج إلى أرض ملعب آزيتكا عقب انتهاء اللقاء النهائي الذي جمع بين البرازيل وإيطاليا وانتهى بفوز الاولى بكأس العالم للمرة الثالثة حيث جردوا البرازيليين من ملابسهم ليحتفظوا بها للذكرى ولم يتركوهم إلا وهم شبه عراة.
وما كادت صافرة الحكم الالماني كلاوس جولكنر تنهي اللقاء حتى شهد ملعب آزيتكا أكبر انفلات جماهيري في تاريخ كرة القدم من أجل الظفر ولو بقطعة صغيرة من ملابس أي لاعب برازيلي. واحتاجت قوات الامن المكسيكية إلى وقت طويل حتى تمكنت من إخلاء الملعب وإتاحة الفرصة للاعبين البرازيليين للدخول إلى غرف تغيير الملابس لارتداء أطقم جديدة قبل بدء مراسم تسليم الكأس والميداليات.
أحرزت البرازيل كأس العالم للمرة الثالثة واحتفظت بالكأس التي قدمها الفرنسي جول ريميه بعدما صارت أول دولة تفوز باللقب ثلاث مرات بعد عامي 1958 و1962. وعاد البرازيلي ماريو زاجالو إلى أجواء النهائيات من جديد بعدما غاب عن بطولة عام 1966 بعد مساهمته في فوز فريقه بلقبي عامي 1958 و1966.
واللافت أن زاجالو لم يكن ضمن البعثة المتوجهة إلى المكسيك بعدما توجه إلى مجال التدريب لكن المدرب البرازيلي سالدانو لم يختر بيليه ضمن الفريق الذي سيشارك في النهائيات المكسيكية فانقلبت عليه الصحافة البرازيلية وطالبت بإقالته. وفي ظل هذه الضغوط اضطر جواو هافيلانج رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم آنذاك أن يقيل سالدانو وأن يعين زاجالو بدلا منه فصار الاخير أول شخص في العالم يفوز بكأس العالم لاعبا ومدربا.
وعلى الرغم من أن كارلوس البرتو باريرا لم يكن أكبر اللاعبين سنا أو أكثرهم مشاركة في المناسبات الدولية فإن زاجالو اختاره قائدا للفريق للاستفادة من شخصيته المتميزة والمحببة لدى جميع أفراد المنتخب.
وسجل باريرا الهدف الرابع في مرمى إيطاليا في المباراة النهائية ولم يشارك في نهائيات أخرى لاعبا لكنه قاد منتخب بلاده مدربا في النهائيات أكثر من مرة وفاز معه باللقب العالمي في عام 1994 في الولايات المتحدة بعد فوز البرازيل على إيطاليا أيضا في المباراة النهائية بالركلات الترجيحية.
وكتب أسطورة الملاعب العالمية بيليه اسمه في السجل الذهبي للانتصارات الثلاث حيث شارك فيها كلها بل وسجل أهدافا خلال الدورات الثلاثة وكان صاحب الهدف الاول في مرمى إيطاليا في المباراة النهائية لهذه البطولة.
وبات اللاعب البرازيلي الشهير جيرزينيو أول لاعب يسجل هدفا على الاقل في كل مباراة خاضها في هذه البطولة وقد سجل سبعة أهداف في المباريات الست التي خاضها منتخب بلاده منذ المباراة الاولى في الدور الاول وحتى المباراة النهائية.
وسجل جيرزينيو أهدافه السبعة في شباك تشيكوسلوفاكيا وانجلترا ورومانيا وبيرو وأوروجواي وإيطاليا وسبق له أن شارك في نهائيات عام 1966 ولكنه لم يتألق فيها خصوصا أن البرازيل خرجت من الدور الاول. وواصل النجم البرازيلي مسيرته مع نهائيات كأس العالم حيث شارك في ما بعد في البطولة التي أقيمت في ألمانيا عام 1974 وفاز البلد المضيف بلقبها.
وتعرض البرازيلي ألفريدو توستاو إلى مرض خطير في عينه قبل عامين من النهائيات وبات مهددا باعتزال كرة القدم بعدما ضعفت قوة إبصاره لكنه توجه إلى الولايات المتحدة وخضع لجراحتين متتاليتين وعادت إليه حدة بصره.
وشارك توستاو في التصفيات وقاد بلاده إلى الفوز في ست مباريات من ست مباريات وسجل 10 أهداف من بين 32 هدفا سجلها فريقه في هذه المناسبة.
وأحرز المنتخب البرازيلي لقب أفضل خط هجوم أيضا حيث سجل 17 هدفا. ووصلت إيطاليا إلى المكسيك وتسبقها سمعتها العطرة بفضل فوزها بكأس الامم الاوروبية في عام 1968 وقد نجحت بالفعل في تعويض نتائجها الباهتة التي قدمتها خلال نهائيات كأس العالم عامي 1962 في شيلي و1966 في إنجلترا.
وشاركت إيطاليا في نهائيات عام 1970 بتشكيلة جديدة من اللاعبين الواعدين وحققت نتائج جيدة أوصلتها إلى لقاء القمة حيث فازت على سويسرا 1/صفر وتعادلت مع أوروجواي وإسرائيل بنتيجة واحدة هي صفر/صفر وتجاوزت الدور الاول بنجاح.
وفي الدور ربع النهائي فازت إيطاليا على المكسيك صاحبة الارض والجمهور 4/1 وعلى ألمانيا الغربية 4/3 في الدور نصف النهائي قبل أن تسقط أمام البرازيل في لقاء القمة.
واتسمت مباراة إيطاليا وألمانيا في الدور نصف النهائي بالاثارة والمتعة والاهداف الوفيرة وشهدت تقدم كل فريق على الاخر أكثر من مرة إلى أن حسم الايطاليون الامر وسجلوا الهدف الرابع لينتهي اللقاء بفوز إيطاليا 4/3.
وإذا كان العالم يستمتع حاليا بثلاثي حرف «الراء» رونالدو ورونالدينو وروبرتو كارلوس ومن قبلهم ريفالدو في المنتخب البرازيلي فإن العالم كله لن ينسى ثنائي «الراء» الايطالي ريفا وريفيرا اللذين تألقا بشكل لافت للغاية في المكسيك.
وسبقت شهرة اللاعبين وصولهما إلى مكسيكو سيتي خصوصا وأن خلافاتهما وصراعهما على لقب أفضل لاعب في إيطاليا لم تتوقف أبدا ولم يشتركا معا في أي مباراة خلال هذه البطولة لتجنب ما يقع بينها من خلافات داخل الملعب.
وبدأ ريفا كل المباريات في التشكيلة الاساسية في مركزه المعهود في الجناح الايسر وحل ريفيرا لاعب خط الوسط مكانه مع بداية الشوط الثاني في كل اللقاءات باستثناء المباراة النهائية أمام البرازيل حيث شارك ريفيرا الشوط الثاني بدون أن يخرج ريفا من الملعب كالعادة.
سجل ريفا في هذه البطولة ثلاثة أهداف في حين أحرز ريفيرا هدفين فقط لكنه كان صانع ألعاب من الطراز الاول وأطلق عليه الايطاليون لقب «الفتى الذهبي». وعلى الرغم من النتائج الطيبة التي حققتها إيطاليا قبل وأثناء نهائيات هذه البطولة فانها لم تتمكن من الصمود أمام المد البرازيلي في المباراة النهائية حيث خسرت 4/1.
«غلطة» الشاطر الانجليزي رامزي
وارتكب المدرب الانجليزي ألف رامزي «غلطة» عمرة في الدقيقة السبعين من المباراة التي جمعت بين منتخب بلاده ونظيره الالماني في الدور ربع النهائي.
وتقدمت انجلترا على ألمانيا 2/صفر فاطمأن إلى النتيجة وأخرج نجمه الاول بوبي تشارلتون في تلك الدقيقة لكن ما حصل أن الالمان استغلوا حالة التراخي التي حلت على الفريق الانجليزي بعد خروج تشارلتون وسجلوا ثلاثة أهداف متتالية وتأهلوا للقاء إيطاليا في الدور نصف النهائي وخرج الانجليز بخفي حنين.
وتألق الالماني المخضرم أوفي زيلر في هذه البطولة على الرغم من أنه كان يخوض النهائيات الرابعة في مسيرته الرياضية بعد أعوام 1958 و1962 و1966 وعمره 34 عاما. وخاض مباراته رقم 19 في النهائيات أمام انجلترا وهو رقم قياسي في ذلك الوقت.
كوبيلاس الأنيق وبيكنباور المخلص
وأفرزت البطولة مجموعة من اللاعبين البارزين في مناح عدة فكان أكثرهم تأنقا واعتناء بملابسه داخل وخارج الملعب هو اللاعب البيروفي كوبيلاس. كما أنه لفت الانظار إليه بفضل براعته في المراوغة وبراعته في تسجيل الاهداف.
وحصل الالماني جيرد موللر على لقب الهداف برصيد 10 أهداف اهتزت لها شباك المغرب وبلغاريا وبيرو وانجلترا وإيطاليا وكان أول من تمكن من ترجمة أنصاف الفرص إلى أهداف ثمينة. وتميز موللر بقوة بنيانه الجسمانية وتوقعاته الممتازة لاخطاء المنافسين ولموقع وصول الكرة.
وواصل القيصر الالماني فرانز بيكنباور تألقه في ثاني نهائيات لكأس العالم يشارك فيها. وشارك بيكنباور في المباريات الخمس الاولى لفريقه وأكمل مباراة الدور نصف النهائي أمام إيطاليا وهو مصاب بخلع في عظمة الترقوة تقديرا منه للمسؤولية الواقعة على عاتقه وعلى عاتق فريقه. وحسمت ثلاث مباريات في هذه البطولة في الوقت الاضافي حيث فازت أوروجواي على الاتحاد السوفيتي وألمانيا الغربية على انجلترا وإيطاليا على ألمانيا.
