رغم أنه على مشارف الأربعينات إلا أن رشيدي ياكيني النيجيري الدولي الشهير وأفضل لاعب إفريقي عام 1993 وأول نيجيري يحرز هدفاً في نهائيات كأس العالم ليس مستعداً بعد لتعليق حذائه الكروي بعد هذا المشوار الحافل. والمهاجم القوي الذي أدخل الرعب في خطوط دفاعات الخصم باندفاعاته السريعة وقذائفه الصاروخية يستمتع حالياً بممارسة الكرة مع فريق «جيت واي إف سي» بمدينة أبيكوتا غرب نيجيريا.
وكان قرار يقيني بالعودة إلى دوري كرة القدم النيجيري بعد جولة دولية واسعة في البطولات البرتغالية، اليونانية، الاسبانية والسويسرية قد أدهش المراقبين والمعلقين الذين اعتبروا أن الاسطورة قد يندم على قرار العودة إلى الجذور وعن ذلك يعلق قائلاً: «أعترف أن العودة للعب في الدوري النيجيري قليل التنظيم بعد اللعب مع أعلى مستويات الكرة الأوروبية لم تكن عودة سهلة».
ويواصل نجم فيتوريا سيتوبال، أولمبياكوس وسبورتنغ جيجون لمجلة الفيفا قائلاً «المنافسة في الكرة النيجيرية تستدعي أن أنسى كل ما تعلمته واختبرته في أوروبا لأتمكن من التعامل مع الإمكانات الفقيرة هنا».
ويضيف ياكيني قائلاً: «يجب أن يفهم الجميع أنني بدأت ممارسة الكرة هنا وكل الخبرات والتجارب التي اكتسبتها في الملاعب الأوروبية يجب أن أتقاسمها مع أبناء بلدي من الشباب وزملائي يدركون مدى عشقي لكرة القدم لذلك لن يستغرق أحد منهم ما فعلته.
معاناة الصغر سبب تألقه
يعترف ياكيني أن ما واجهه في صباه من مشاق كان السبب في تألقه كلاعب ومهاجم مرعب قائلاً «عندما توفي والدي وأنا في الخامسة عشرة لم أجد أمامي أي أسرة ترغب في احتضاني أو منحي أي أمل في الحياة وعشت مع أناس لا أعرفهم وقضيت الليالي في أماكن غريبة ـ وأحياناً كثيرة لم أكن أعلم ماذا سيكون طعامي اليوم التالي ـ ومنذ ذلك الوقت اعتمدت على نفسي تماماً». وكانت النتيجة ان عزيمته الجديدة والرغبة في وضع بصمته في كرة القدم قد أتت نتائجها الطيبة بالنسبة له.
وجاءت الحصيلة في شكل خمس مشاركات في كأس الأمم الإفريقية مع منتخب النسور الخضراء خلال عشر سنوات فاز فيها بذهبية واحدة، ثلاث فضيات وبرونزية واحدة وتحول ياكيني إلى جزء مهم من ماكينة الكرة النيجيرية والتاريخ الثري للكرة في القارة الإفريقية.
أما الواقعة التي حفرت اسم ياكيني في فلكلور الكرة فكان هدفه الذي أحرزه للنسور الخضراء في مرمى بلغاريا ضمن مرحلة المجموعات في مونديال 1994. ومن نيسي صورة ياكيني وهو داخل الشبكة رافعاً يديه نحو السماء وهو يصرخ شاكراً حظه السعيد الذي جعله صاحب هدف رائع، وذلك في ملعب مدينة دالاس الأميركية التي شهدت هذه اللقطة التاريخية له.
يقول ياكيني معلقاً على ما حدث تلك الليلة، «كل ما أذكره عنها أنني شكرت الرب أنه أتاح لي فرصة ممارسة الكرة على أعلى مستوى، ولم يخطر على بالي أنني دخلت التاريخ كأول نيجيري يحرز هدفاً في كأس العالم.
الهزيمة القاسية
عادة ما يتحول بندول كرة القدم من لحظات الفوز إلى معاناة الهزيمة القاسية ـ وبعد اثني عشر عاماً لن ينسى ياكيني أن منتخب النسور النيجيري وخط دفاعه اللامبالي السبب في تحويل فوز كان قريباً جداً على المنتخب الإيطالي في دور الستة عشر لمونديال 1994 بأميركا إلى هزيمة قاسية وعنها يقول ياكيني «كانت خسارة مؤلمة جداً بعد عدد من الأخطاء السخيفة وسلوك أرغب من قبل عدد من لاعبينا ـ وما جعل طعم الخسارة قاسياً عليناً أننا كنا قادرين على المضي قدماً في البطولة والتأهل لدور الثمانية لكن الناس تأمل والرب يقرر المصير.
انهيار امبراطورية كرة القدم النيجيرية
وفي دور الستة عشر لمونديال 1998 تعرضت نيجيريا لخسارة قاسية بأربعة أهداف لهدف أمام الدنمارك ـ وهي المباراة التي كانت المحطة الدولية الأخيرة لياكيني أعلن بعدها اعتزاله اللعب مع المنتخب وشهدت كذلك خروج نيجيريا من التصفيات المؤهلة لمونديال 2002 في كوريا واليابان. وهناك عبر أبو الأهداف الروحي «كما أطلقت عليه الصحافة، عبر عن أساه وحزنه على المستوى المتدني لمنتخب بلاده بقوله، «واجهنا المشكلات بسبب السياسة القذرة للمسؤولين عن كرة القدم النيجيرية».
وبعد فوزهم بالبطولة الإفريقية مرتين والميدالية الذهبية الأولمبية تحت إدارة المدرب البرازيلي أوتو غلوريا والهولندي كليمنس ويسترهوف وكذلك جو بونفرير، وجميعهم من المدربين الأجانب، يؤكد ياكيني أنه فقط المدرب غير النيجيري هو القادر على توجيه طيران النسور السوبر نحو تحقيق النجاح الدولي الذي تستحقه القاعدة العريضة من المواهب في نيجيريا معللاً، «المدرب الوطني لا يستطيع إدارة المنتخب بنجاح والسبب التوجهات العرقية في بلادنا ـ لكن عندما يتولى المدرب الأجنبي المهمة فقد لا يختار عناصر تشكيلة المنتخب على أساس عرقي كما يفعل المدرب النيجيري.
كذلك المدرب المواطن غير قادر على مواجهة الضغوط العديدة التي تقابله ولا أداء مهمته بالاحترافية المطلوبة بل يسمح بتدخل أعضاء اتحاد كرة القدم ووزراء الرياضة الذين يصدرون لهم الأوامر حول من يلعب في تشكيلة المنتخب. أما عند تعيين مدرب أجنبي فهو لا ينصاع لتلك الأوامر ويقع اختياره لعناصر المنتخب على أساس الأصلح والأكثر جاهزية بغض النظر عن ضرورة العرقية ولا قبيلته.
لا يقتصر نقد ياكيني على الوضع الذي يعاني منه منتخب النسور فقط بل يبدي أسفه على الحال التي انتهى إليه دوري الكرة في بلاده، وعندما كان مهاجماً مع أندية كادونا، شوتنج ستارز في عبدان وأبيولا بيبيتز في مدينة أبويكوتا، وقبل رحيله عن نيجيريا عام 1988 كانت بطولة الدوري تنافسية تجذب أعداداً هائلة من جماهير كرة القدم ووسائل الإعلام على حد سواء وعن ذلك يعلق في أسى، «كانت الجماهير حريصة على متابعتنا نهاية كل أسبوع والسبب أن الفرق كانت تقدم مستوى ثابتاً ومتطوراً على عكس الحال هذه الأيام.
ومكنته عودته إلى الدوري النيجيري عام 2003 مع فريق جوليوس بيرجر قبل تجربته الحالية مع فريق إف سي جيت واي. من عقد مقارنة صحيحة بنسبة كبيرة بين ما يذكره من كرة جميلة في الماضي وما تعانيه الكرة النيجيرية من تدهور حالياً، وعن ذلك يقول: «لا أجزم ان اللاعب النيجيري الشاب هذه الأيام قادر على الحفاظ على نفس لياقته لثلاث مباريات متتالية وجميعهم كسالى وغير مستعدين للعمل القاسي ومع ذلك تجدهم يطالبون بالكثير من الأموال من كرة القدم ـ وما أدهشني أنني وأنا في الواحدة والأربعين أبدو أقوى وأكثر لياقة ممن هم في الثامنة عشرة ـ لذلك ليس من السهل العمل معهم حيث بعضهم يبدى استعداده للتعليم بينما يرفض الآخرون هذه الفكرة، ولحسن الحظ يحترم الذين يرغبون في تعلم إنجازاتي في الملاعب وأحاول تقديم النصح لهم.
إدارة الكرة متهمة
يوجه ياكيني اصبع الاتهام نحو إدارة كرة القدم النيجيرية قائلاً إن عليهم تحمل مسؤولية الوضع المهني الذي وصل إليه الدوري النيجيري قائلاً: «يجب على اتحاد الكرة إعادة النظر في بطولة الدوري، ماذا يفعلون لتطويرها وإلي أين نحن متجهون وهناك عدد كبير من اللاعبين يجوبون شوارع أوروبا بحثاً عن نادٍ يستوعبهم، رافضين العودة إلى الوطن واللعب في الدوري النيجيري والسبب تدني مستوى الكرة هنا.
ورغم هذه المشكلات المجتمعة يرفض ياكيني تحديد موعد تعليق حذائه الكروي رغم سنه المتقدم معللاً «إذا كان الأمر متعلقاً بي وحدي لتركت الكرة فوراً لكن كل شيء متعلق بمشيئة الله وأعتقد أنها مشيئة أن أواصل اللعب، لكن لابد من يوم أتوفق فيه عن المشاركة سواء كان ذلك بعد عام أو اثنين لا أدري».
ولأنه اعتاد على حياة الكرة المنظمة والروزنامة اليومية الصارمة، تبدو الحياة مجهولة بعيداً عن الكرة وعنها يقول، «لم أخطط لما قد أفعله مستقبلاً، لكني واثق من أنني لن أمارس مهنة التدريب وهي مهنة تحتاج إلى الصبر سواء مع المنتخب أو النادي، وعلى المدرب أن يكون قائداً مع المقدرة على تحمل الإساءات والأذى ولا أعتقد أنني قادر على تحمل ذلك، ومع ذلك أتمنى العمل مع الأطفال في مجال الرياضة وكرة القدم بالذات».
وعندما يحين وقت الرحيل ووداع الملاعب، يأمل ياكيني أن تكون الحياة أكثر رأفة به قائلاً «أتمنى فقط أن يذكر الناس كيف لعبت كرة القدم وما حققته للكرة النيجيرية على الصعيد الدولي، وكل ما فعلته كان بدافع الحب والاهتمام بكرة القدم وبلدي نيجيريا».
محمد سيف النصر:
