منذ مطلع الثمانينات بدأت فيتنام انفتاحها الحذر على العالم، بعد تاريخ طويل من الحروب الداخلية بين العائلات الحاكمة ومن ثم مع فرنسا وأميركا عن أي شيء يمكننا الحديث عندما نقف أمام عبارة «روح فيتنام»، من المؤكد أن هذه العبارة تضعنا أمام مساحة هائلة من المعاني المرتبطة بهذه المنطقة من العالم.

والتي تتداخل في تاريخها جملة من العناصر والأبعاد الحضارية والروحية والسياسية، لكن ربما غالبية الناس تعرف فيتنام من جراء حربها الشهيرة مع الولايات المتحدة الأميركية.

ومصطلح المستنقع الفيتنامي التي تتردد على كل لسان، غير أن المؤكد أن فيتنا هي أهم من ذلك بكثير على الرغم من شح المعلومات التي نعرفها عنها وخاصة في المجال الإبداعي.

ومن هنا فإن معرض روح فيتنام الذي أقيم مؤخراً في صالة غرين آرت بدبي مناسبة للتعرف على ملمح من ملامح الحركة التشكيلية في هذا البلد.

وهي حركة على درجة كبيرة من الغنى والشهرة العالمية، وخاصة منذ مطلع الثمانينات وهي الفترة التي بدأت فيتنام انفتاحها الحذر على العالم، بعد تاريخ طويل من الحروب الداخلية بين العائلات الحاكمة ومن ثم مع فرنسا وأميركا.

فنانو هذا المعرض لم يأتوا إلى دبي ليرووا لنا هذه الحكايا، بل ليقدموا مجموعة من التجارب البصرية الخاصة جداً والتي تؤكد على جملة من الخصائص التي تميز تجربة هذا البلد في مجال الإبداع البصري والثقافي، هي خصائص مرتبطة بالتنوع الثقافي والعرقي المتداخل، حيث يعيش في هذا البلد ما يقارب الـ 45 مجموعة شعبية لكل واحدة منها لغتها وطقوسها وملابسها،.

إضافة إلى المكونين الأساسيين وهما الحضارة الهندية والصينية،أو كما قال أحد الشعراء الفيتناميين «فيتنام كديباج الحرير الأملس يتغير لونه كألوان قوس قزح» ومن هنا كان لابد أن تنعكس على الأعمال التي تتجاوز 31 لوحة جملة هذه المعطيات، نحو لوحة متفردة على مستوى مناخ اللوحة.

وموضوعها و الخامات المستخدمة فيها وهي الى جانب الألوان الزيتية تعتمد على الأحبار وغيرها من الخامات الخاصة التي تميز اللوحة الفنية ليس في فتنام وحدها بل في كل تلك المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها ما يسمى بالعرق الأصفر.

إطلالة الفنان ثيناه بيناه في هذا المعرض هي إطلالة إنسانية بحتة، حيث إنه يقدم مجموعة من التجارب التي تلتقط مجموعة من اللحظات الإنسانية اليومية.

وخاصة فيما يتعلق بعلاقة المرأة مع محيطها على اختلاف هذا المحيط، تقوم فكرة اعمال هذا الفنان على تثبيت اللحظة وتفعيل مكونها ومقوماتها لتصير لحظة قادرة على الثبات في الزمن، المرأة الأم، والعاملة، والعاشقة،.

والراقصة، المرأة في عالمها الأنثوي الغامض والمثير، وفي لحظات بوحها السري بما تخفيه وسط مناخ ذكوري على ما يبدو، لأن المرأة في مجمل هذه الأعمال محاصرة بفراغ لوني وبما يوحي بعزلة تقصيها عن الآخر وعن الفضاء الخارجي للعالم.

يربط هذا الفنان شخصيته الأنثوية بنقطة مركزية في اللوحة، هذا الربط لا يتمحور على مستوى الموضوع بل على مستوى التكوينات البصرية، فتصير العلاقة بين الجسد.

وهذا النقطة المركزية هي محور الدراسة البصرية التي يجريها هذا الفنان في لوحته، هذه النقاط المركزية هي عبارة عن أشياء صغيرة الحجم، تفاحة، زهرة لوتس، طفل، مزهرية، أو نقطة غير واردة في اللوحة بل علينا افتراض وجودها خارجا وذلك جراء العلاقة البصرية والحركية بين الشخوص وتلك النقطة المجهولة، ثمة ما يجعل من أعمال هذا الفنان محاولة للانتصار للمرأة.

وجعل حضورها عالقاً في الزمن ويتمتع بديمومة معينة، شيء ما يشبه الرثاء، والحزن، والحنين، عبر تقشف مثير في استخدام الألوان، لا شيء غير المعنى، وقوة التعبير هما المسيطران على كل شيء.

وان كنا تحدثنا عن التقشف عند الفنان ثيناه، فإنه يمكننا الوصول إلى مرحلة الزهد في أعمال هونج فيت دونغ، حيث ان هذا الفنان يتجاهل كل ما يمكن أن تقدمه فتنة اللون للوحة، نحو لعبة النبش البحث في العمق، فهو يستنهض الروح الكامنة في كل الأشياء حتى الجامدة منها.

ويصير الشكل المرصود في عمله محاولة لرؤية ما يمكن أن يخفيه هذا الشكل حين يصير شيئا مستقلاً ومستقراً في العمل الفني، قد تكون عناصره من الواقع أو هي أشياء مرئية وملموسة في الحياة اليومية، لكنه لا يترك لهذه العناصر أن تبقى في حلتها الواقعية المباشرة، بل يقودها إلى عالمه الخاص وبالتالي نحو عالمها الخاص.

وفي ذلك المكان تبدأ الأمور بالتكشف التدريجي، نحو حكائية مبطنة، وقود درامية دافعة للعمل من أجوائه الحالمة الى صراع قائم وجاد بين عدة قوى لا مرئية، ولعل هذا الفنان يحاول التصالح مع مرجعياته الدينية والفكرية أو على الأقل التعبير عنها.

ينفتح الفنان دونغ على مشهديات بصرية واسعة، وعلى الرغم من حاجة مثل هذه المشهديات لما ينهض بعناصرها ويحميها من الجمود، إلا أنه يصر على أن القيمة الأساسية في العمل تنبع من قدرته الروحية الخاصة على دفع عين المتلقي نحو التفاصيل المستترة المخفية في العمل، ثمة مخاطبة أساسية للعقل قبل المشاعر.

وثمة تركيز على الداخل دون الخارج الذي لا يهمله الفنان بصورة نهائية بل يترك فيه تلك اللمسات الذكية التي يمكنها خلق ألفة غامضة مع العين التي عليها مواصلة التلقي لمجموع الرسائل والأفكار التي يريد هذا الفنان إيصالها بما يضمن له ألا تضيع في اللحظة التي تنتقل العين الى عمل آخر.

الفرح والاحتفاء والدهشة هي ثلاثة عناصر أساسية وجوهرية في أعمال الفنان لي ثون سون، وهو فنان بارع وملون بارز للدرجة التي يصعب على الواحد منا ألا يلتفت إلى لوحته كلما ابتعد عنها قليلاً، ثمة قوة طاغية ومستفزة في أعمال هذا الفنان، الممتلك مهارة عالية في خلق سيطرة بصرية ليس داخل اللوحة وحسب بل يمتد هذا التأثير إلى ما يحيط بها.

وهو على عكس زملائه في هذا المعرض المستغرقين في جملة من القيم البحثية العميقة، نجده يمضي بكل ما لديه من قوة نحو الخارج وما فيه من تفاصيل متعلقة في الحياة اليومية، يتابع الناس وهم يعملون، ويراقب تحولات الطبيعة، إنه اختصارا يحتفي بالحياة المادية الواقعية.

ويؤسس من هذه الحياة لحياة بصرية متقدة، اللون لديه مكمن للاشتغال والدراسة المتأنية التي تفضي به الى معالجات ممتعة وشيقة، تتناسب مع سعيه لتقديم العالم الخارجي في حالة من الحراك الحيوي، فالأشجار متفاعلة مع محيطها.

والجبال صاخبة، والبيوت مظللة بالألوان والظلال، إنه عالم مشبع بالأحلام، وكأن لسان حال الفنان يقول ثمة أشياء كثيرة في هذه الحياة تستحق أن تُرى وأن تُعاش .

معرض روح فيتنام مناسبة حقيقية للتعرف على ملمح ولو بسيط من عوالم ثقافة هذا البلد، إنهم ثلاثة فنانين جاءوا ليقولوا إن خلف المستنقع الفيتنامي الذي غرقت فيه الجيوش الأميركية، وخلف كل الأسى الذي ولدته الحروب والقنبلة الذرية، ثمة حياة وأناس يحتفون بها، وثقافة حية ومستمرة إلى ما لا نهاية.

حازم سليمان