شكلت كرة القدم النسائية تجربة غنية ومثيرة في مجال الرياضة بالوطن العربي منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وما زالت حتى الآن نقطة خلاف وجدال يكاد لا ينتهي، حيث المجتمع العربي لم يتقبل فكرة وجود لاعبة الكرة في مضاميره، وبالرغم من تنامي حرص الإتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) على نشر هذه الرياضة في مختلف دول العالم إلا أنها ما زالت في بدايتها،

وقد أقام الإتحاد البطولات النسائية في كرة القدم كمونديال السيدات والبطولات القارية إلا أنها لم تحقق الأهداف المرجوة منها، فليس هناك أي نوع من الاهتمام تبديه وسائل الإعلام في نقل اللعبة ونشرها، كذلك عدم اعتراف معظم الدول العربية بحق المرأة في اختيار ما تشاء من الرياضات.

تعتبر كرة القدم النسائية في دولة الإمارات في أوائل مراحلها، إلا إنها تحظى بشعبية طاغية من قبل الفتيات، كونها اللعبة الأولى جماهيرياً في الدولة، وقد احتضنت إمارة دبي أول مباراة نسائية في كرة القدم في منطقة الخليج،

وقد اعتبر القائمون على اللعبة أنها خطوة إيجابية ومشجعة لنشر هذه الرياضة التي أصبحت من لوازم الرجال لفترة تمتد لعقود، وشكلت نقطة بداية لدول الجوار فسارعت مملكة البحرين للاعتراف بالنشاط النسائي كذلك الحال في الكويت التي استطاعت تشكيل دوري نسائي على مستوى الجمعيات والأندية النسائية إلا إن بعض الدول تصدت لهذه الحملة وصنفت رياضة كرة القدم بأنها »باب من أبواب المعصية« فهل تستطيع المرأة إثبات ذاتها وقدراتها على ملاعب كرة القدم العالمية أم إنها ستبقى خلف أسوار الأندية النسائية؟

لكي نحظى بإجابة شافية لهذه التساؤلات التقينا (رانية عامر) مدربة فريق كرة القدم بنادي دبي للسيدات والتي كانت في وقتٍ ما لاعبة لكي نقف على أبعاد هذه الرياضة وما تعانيه في الدولة حيث أكدت لنا من خلال حديثها أن الفتاة الإماراتية تتمتع بحس رياضي عالٍ وأن معظم عضوات فريق كرة القدم في النادي هن إماراتيات أحببن اللعبة

ومضين في طريق التدريب والمشاركة في البطولات المختلفة التي يقيمها النادي وأن الكرة النسائية في الإمارات ينتظرها مستقبل واعد ومشرق لأنها تضم لاعبات محترفات من الطراز الأول ولكن نظرة المجتمع السلبية لا بد أن تتغير في وقتٍ ما... وسألنا:

@ متى بدأت مشوار التدريب في عالم كرة القدم؟

ـــ بدأت مشواري كلاعبة في كندا حيث مارست كرة القدم لفترة طويلة تمتد منذ سنوات الطفولة. وأيضاً سبق لي وأن شاركت في بطولات عربية أقيمت في مصر والإمارات عام 2000 و 2001 ولكني فضلت مجال التدريب بعد ذلك لعدة أسباب أبرزها الإصابة التي تعرضت لها والتي أنهت مشواري في وقتٍ مبكر. وقد استطعت بناء فريق نسائي قوي ونشر هذه اللعبة.

@ ولكن لماذا وقع اختيارك على كرة القدم بالذات؟

ـــ لم أختارها ولكنها فرضت نفسها على كل الرياضات التي مارستها في البداية فقد لعبت كرة السلة والطائرة والعديد من الألعاب ولكني تعلقت بهذه الرياضة بشكل غريب فكنت أشاهد المباريات العالمية والمنافسات القوية بين الفرق والمنتخبات فتعلمت تاريخها وفنونها، أيضاً كوني في كندا أعطاني حافزاً أكثر فهي منتشرة وبشكل كبير في أميركا وأوروبا،

أيضاً دور الأهل شجعني كثيراً فعائلتي تولي الرياضة الاهتمام البالغ لذلك نشأت في بيئة رياضية بكل امتياز كذلك تعلمت الكثير منها مثل العمل بروح الفريق، الصبر والإصرار على تحقيق الهدف مما انعكست على نفسيتي وعملي وأن كرة القدم ليست مجرد »شوت كورة«.

@ وما مدى الإقبال على هذه الرياضة في النادي؟

ـــ الإقبال جيد جداً ولم أتوقعه، فبعد أن ناقشت الإدارة موضوع إدراج كرة القدم ضمن الألعاب الموجودة في النادي كان هناك نوع من الخوف والترقب من إدارة النادي حيث المجتمع الإماراتي المعروف تمسكه بعاداته وتقاليده لن يقبل أن تمارس بناته كرة القدم ولكني فوجئت بكثافة الإقبال على تعلم هذه الرياضة والانخراط في التدريبات الأسبوعية، وقد تمكنا من إعداد فريق محترف بمقدوره خوض المباريات والفوز بالبطولات.

@ ولكن بالرغم من انتشارها بين الفتيات ما زال المجتمع يرفض لاعبة الكرة؟

ـــ أستغرب كثيراً من موقف بعض الأفراد في المجتمع الذين يرون أن كرة القدم تنتهك أنوثة المرأة وتجردها منها ولكنها نظرة لا يمكن تعميمها على كل فتاة تلعب الكرة، والمعروف أيضاً أن المرأة تلعب كرة القدم منذ أوائل القرن الماضي في أوروبا وأميركا ولكن دائماً ما قوبلت بالرفض، حيث إن السواد الأعظم يرى أن كرة القدم للرجال فقط ولا يحق للمرأة لعبها ومنافسة الرجل فيها،

ولكن لماذا الرياضات الأخرى تحظى بالاهتمام مع أنها تتسم بالخشونة والاحتكاك المباشر مع الخصم كالملاكمة والمصارعة وحمل الأثقال وتسلط عليها الأضواء الإعلامية والتشجيع الكبير بينما كرة القدم لا يحق للمرأة أن تحترفها لذلك أنا أرى أننا كشعوب عربية نعاني من الازدواجية ويجب علينا أن نثقف رياضياً.

@ وهل ما زالت الفكرة قائمة حتى الآن؟

ـــ بعض الدول استطاعت أن تمحي هذه النظرة الرافضة عن طريق تثقيف المشاهدين بأهمية الرياضة ودورها في حياة المرأة والرجل على حد سواء، وأن الرياضة حق مشروع لكل فرد في المجتمع وقد رأينا بعض الدول العربية كالإمارات والبحرين والأردن ومصر تخطو خطوات ثابتة من أجل ترسيخ رياضة كرة القدم النسائية وتشجيع الفتيات على ممارستها عن طريق إقامة دورات خاصة للتنافس المباشر والحماس.

@ مع وجود فرق نسائية في الأردن ومصر لماذا لم نشاهد أي منتخب عربي يشارك في مونديال السيدات؟

ـــ نحن بحاجة إلى المزيد من العمل والوقت كي نصل لمستوى المشاركة في كأس العالم للسيدات وننافس فرقاً سبقتنا بأعوام عديدة.

@ وكيف هو السبيل للنهوض بالرياضة النسائية في رأيك؟

ـــ أولاً أن نسعى إلى نشر التثقيف الرياضي بين السيدات في المجتمع لكي يعين بأهمية الرياضة ودورها الفعال الذي ينعكس على البدن والشخصية، لدينا كفاءات ونساء لا ينقصهن الطموح إنما التشجيع، فلو تكاتف كل أفراد المجتمع لإبراز دور المرأة رياضياً لرأينا العديد من السيدات يقبلن على ممارسة الرياضة بكل أنواعها وكرة القدم من الرياضات الملائمة للمرأة حيث تكسبها لياقة بدنية عالية وقوة تحمل لا تضاهى.

@ من خلال عملك كمدربة في نادي دبي للسيدات. ما مدى الإقبال على ممارسة الرياضة؟

ـــ النادي يقدم خدمات عديدة لإرضاء كل المنتسبات والزائرات حيث تم توفير جو مريح وخاص لكل السيدات لكي يتمتعن بممارسة الرياضة بأي وقت كما أن النادي يقيم وباستمرار بطولات مختلفة تنمي روح المنافسة وتساهم في انخراط العديد من السيدات لاحتراف أي رياضة ترغبها.

@ هل لك أن تطلعينا على عدد الإماراتيات في الفريق؟

ـــ الفريق الذي شُكل في النادي أغلب عضواته من الإمارات حيث لمست منذ يوم التدريب الأول أن كرة القدم تتمتع بشعبية طاغية بين الفتيات وأن جميعهن متمكنات من ركل الكرة بالشكل الصحيح وإتقان الفنون الكروية الأخرى نتيجة اهتمامهن بمشاهدة المباريات العالمية والنجوم الكبار في الكرة سواء رجالاً أم نساء ويبلغ عدد اللاعبات الإماراتيات 11 لاعبة أي معظم الفريق وهذا شيء يسعدنا في النادي بأن اللعبة تحتل المرتبة الأولى على عكس ما أشيع سابقاً بأنها رياضة لا تقبل عليها المرأة في الإمارات.

@ وما هي البطولات التي شارك فيها الفريق؟

ـــ سبق وأن شاركنا في بطولات محلية تقام في الدولة برعاية نادي دبي للسيدات، وآخر بطولة كانت قبل عدة أشهر تقريباً أي قبل فصل الصيف حيث أقيم دوري من5 فرق تتبارى فيما بينها حسب نظام المجموعتين أي 5 ضد 5 وتمكن فريق النادي من الفوز بلقب البطولة. ومن الفرق المشاركة في البطولة الجامعة الأميركية في دبي والشارقة وبعض الفرق من أندية السيدات بالدولة.

@ كونك لاعبة كرة قدم في السابق. هل واجهتك أية صعوبات في إقناع أسرتك لاحترافك كرة القدم؟

ـــ بصراحة، لم أواجه أي عراقيل أو صعوبات في إقناع أسرتي حول مسألة لعبي كرة القدم بالعكس كانت البداية مشجعة تماماً حيث أعطتني عائلتي حرية الاختيار منذ الصغر. أيضاً كون عائلتي ذات طبيعة وعقلية متفهمة لم يمانعوا بل لقيت منهم كل التشجيع والدعم وما زالوا كذلك فهم يقدرون الرياضة ويرون أنها ضرورية جداً في صقل الشخصية بجانب المحافظة على الصحة، ولكني اتجهت إلى التدريب بعد أن تعرّضت للإصابة ولكن عشقي للكرة لم يُبعدني عن الملاعب نهائياً.

@ وكم تبلغ حصص التدريب الأسبوعية؟

ـــ تقريباً تبلغ حصتين من كل أسبوع وتمتد لقرابة الساعة. وكذلك تنتظم اللاعبات في حصص اللياقة البدنية وهذا أمر ضروري للمحافظة على لياقة اللاعبة.

@ البعض يرى أن الإعلام مسؤول عن تغييب دور المرأة في الرياضة. فما رأيك؟

ـــ أرى أن هذا هو الواقع فالإعلام العربي وللأسف الشديد بعيد تماماً عن رياضة المرأة، حيث إنه لا يركز على النشاط النسائي بل إن الرياضة أصبحت للرجال فقط ولا يحق للمرأة أن تظهر على شاشات التلفاز إلا ما ندر، ولعل أبرز الأسباب هي قلة الوعي والثقافة الرياضية لدى بعض الإعلاميين الذين لا يتمتعون بالنزاهة الكافية في أداء عملهم.

والإثبات هو أن مونديال السيدات لم تحرص أي محطة رياضية محلية كانت أم عربية على تغطية ونقل الحدث بينما المونديال الرجال يحظى بمنافسة شرسة من قبل القنوات الفضائية للفوز ببثه.هذا التصرف قمة التمييز ونطالب نحن السيدات بالحياد ولا نطلب بذلك المساواة إنما نريد فقط تسليط الضوء على دور الرياضة النسائية و إبرازها لكل أفراد المجتمع،

وأذكر أن صحافية من إحدى الصحف الجديدة على الساحة أجرت حواراً معي ومع عضوات الفريق نشر في اليوم التالي بشكل مشوه وبعيد وكان بعيداً عن الحقيقة. حيث كتبت في الصحيفة أن الإماراتية تعاني من ضغوط المجتمع الذي يُجبرها أن تلعب الكرة وهي مرتدية العباءة والشيلة، فهل يُعقل هذا الكلام؟ هي قامت بتحريف الكلام وهاجمت الدين الذي يفرض قيوداً حديدية على المرأة.

@ وماذا عن مبادرة رئيس اتحاد الفيفا التي تهدف إلى ارتداء اللاعبة ملابس مثيرة لجذب الاهتمام؟

ـــ في رأيي إن هذا الحل يعبر عن ثقافته وتفكيره، أما نحن فنرفض أن تكون اللاعبة سلعة للفرجة، إنما نطالب بالاحترام والاهتمام، ونحن الآن بصدد تنظيم بطولات على مستوى عالٍ تساهم في نشر اللعبة.

@ كلمة إلى قراء »البيان الرياضي«؟

ـــ أود أن أقول إن الرياضة تسمو بالنفس والروح وتساعد على تنمية القدرات الذاتية لدى الفرد وأن المرأة تملك حرية اختيار ما تشاء من الرياضات بما فيها كرة القدم حيث يجب أن نسعى إلى إزالة ترسبات الماضي وتغيير نظرة المجتمع السلبية للاعبة كرة القدم،

ونحن قادرون في الإمارات على هذا الأمر بفضل القيادة الرشيدة التي أتاحت للمرأة حرية التعبير والاختيار، ونحن في نادي دبي للسيدات نسعى إلى نشر الرياضة بين السيدات في الإمارات وهذا هو الهدف الرئيسي لنا بدعم لا محدود من الرئيسة العليا للنادي سمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم.

وأشكر القائمين على صحيفة البيان الغراء على جهودهم في تسليط الضوء على أبرز الأحداث الرياضية بلا تحيز واهتمامهم الدائم بالرياضة النسائية في الدولة.

حوار: عايدة السواد