لم يكن ولا حتى جوزيف بلاتر نفسه، يتوقع عندما تولى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم أن يتحوّل إلى الامبراطورية الضخمة التي هو عليها الآن، وأن يصبح أشبه بدويلة صغيرة أو إمارة فخمة يبلغ دخلها السنوي المليارات.وبلاتر على موعد مع عيد ميلاده السبعين في العاشر من مارس المقبل وهي مناسبة كان لابد من توثيقها بمقابلة مع هرم كرة القدم الذي لا يشيخ.
وبما أنه شخصية أشبه برؤساء الدول لم يجرؤ أحد من الصحافيين على سؤاله لنيل الشرف باستثناء الصحافي الرياضي السويسري والتر لوتز الحاصل على وسام »الفيفا« والصديق الشخصي لبلاتر، والصحافي الذي قام بتغطية أحد عشر مونديالاً بالتمام والكمال.وخرج والتر للعالم الكروي بالتقرير التالي:
»ساهم بلاتر مساهمة ضخمة لتطوير كرة القدم حول العالم لما له من رؤية ثاقبة وبعد نظر، وفوق هذا وذاك هو محترف تماماً، وهي الصفات والمقدرة التي أوصلت الكرة إلى ما هي عليه الآن«.كانت هذه كلمات عميد كلية الآداب في جامعة دومونتفورد في ليشستر، انجلترا وذلك في التاسع من نوفمبر 2005.
أما المناسبة فهي أن الجامعة منحت بلاتر الدكتوراه الفخرية باعتباره أحد الذين يتمتعون بذكاء مميز واحترافية في أداء مهنته.وقبل ذلك باثني عشر شهراً فإن الشخص الذي علّق بأنه عاشق لكرة القدم إلى درجة أنه يفضل لو أنه حصل على كأس العالم بدلاً من رئاسة الاتحاد الدولي »الفيفا« هو الشخص ذاته الذي وصفه النقاد بأنه »أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في العالم«.
مصادفة تاريخية
أثبت أن انتخاب كل من هافيلانج ومن بعده بلاتر أنه الخيار الأمثل بالنسبة لكرة القدم العالمية بعد أن عاش أسلافهم ترف الأيام الماضية عندما كانت رؤيتهم لأي ملعب ممتلئ بالمتفرجين وقوفاً بمثابة حلم استطاعوا تحقيقه.
وباعتباره رئيساً غير أوروبي لـــ »الفيفا« جاء هافيلانج محملاً بالأفكار والحماس. وتولى البرازيلي المهمة عندما كان عدد أعضاء »الفيفا« لا يتجاوز 12 شخصاً فقط، وبعد اعتزاله ارتفع الرقم إلى 68، أما الآن فهم 277 عضواً.
وقسّم هافيلانج وقته بين أوروبا وأميركا الجنوبية. وفي عام 1975 أطلق برنامجاً طموحاً غير مسبوق حاملاً »الفيفا« من عهود متخلّفة أشبه بحقبة العربة التي تجرّها الخيول في أميركا إلى عصر الطائرة النفاثة، وموّل البرنامج مجموعة من قنوات التلفزيون ومن خلال الشركات الراعية والتسويق.
وأعلن هافيلانج التحدي بالنسبة لمن يخلفه في المنصب، وكان في حاجة لشخصية منتبهة على الدوام، مرن ويتقن عدداً من اللغات والمعرفة الإدارية.وكان هافيلانج يضع عينيه على المدرب القومي والشخصية الرياضية يبي توراني الذي كان متلهفاً للحصول على الدور.
وأرسل أعضاء مؤتمر »الفيفا« موظفهم الشاب بلاتر لإبلاغ توراني نتيجة الاجتماع، وكانت أول مهمة رسمية له.وجاءت المرحلة التالية في مشوار بلاتر الوظيفي عندما كان في الثلاثين توليه منصب المسؤول الإعلامي تحت مظلة المنظمة الرياضية السويسرية ونجح الرجل القادم من الجبال في مهمته تماماً وصنع لنفسه اسماً في مسرح الرياضة العالمي.
ومع كل هذه المهام أدى بلاتر خدمته العسكرية لمدة 1371 يوماً أو أربع سنوات تقريباً.وعندما كان بلاتر في الخامسة عشرة عمل مراسلاً وحارساً مساعداً في فنادق »زيرمات« خلال العطل المدرسية. وبعد ذلك بفترة عمل كأشبه بالمهرج الذي يُبهج الحضور خلال اجتماعات مختلف إدارات الأندية.
وبعد أسابيع قليلة من ميلاد بلاتر عام 1936 كان هافيلانج في العشرين، وشارك لأول مرة كسباح في ألعاب برلين الأولمبية.ومستقبلاً كان فرق السنوات العشرين نواة لعلاقة أبوية بين هافيلانج وبلاتر.وبحلول عام 1981 قام بتعيينه سكرتيراً عاماً لـــ »الفيفا«.
وأصبح الضابط التنفيذي لهافيلانج. ومنذ ذلك اليوم أمضى الاثنان 32 عاماً في إدارة مختلف أنشطة »الفيفا« خلال الفترة من 1974 ـــ 2006 وقاما بتشكيل خارطة نصف نهائيات كأس العالم أي تسعة مونديالات.
المفتاح المناسب
بعد انتخابه رئيساً لـــ »الفيفا« عام 1998 لم يرغب بلاتر في تنفيذ سياسة أستاذه هافيلانج نفسها، وكان أول رئيس ينتخب من منصب السكرتير العام، وبالتالي كان أصلح من يدرك بالتفصيل آلية العمل في »الفيفا« وهو الذي أمضى 30 عاماً كاملة داخل أروقتها. وتمتع بلاتر كذلك بميزة أنه الرئيس الوحيد المقيم في زيوريخ حيث المركز الرئيسي لـــ »الفيفا«.
ولم يتوقع أي من أنصار أو خصوم بلاتر وصوله إلى هذه القمة عندما رشح نفسه للمنصب الرئاسي في وجه السويدي لينارت يوهاتست عام 1998، وساند بلاتر 15 اتحاداً كروياً جميعها من خارج أوروبا باستثناء فرنسا، بل لم يسانده حتى اتحاد الكرة السويسري مما لفت انتباه العالم.
وعلى عكس انتخاب اللجنة التنفيذية الذي تقرر تعيينهم اتحاداتهم الكروية جاء انتخاب بلاتر بواسطة كونغرس »الفيفا«.وواجهت بلاتر جملة من المشكلات أشبه بحالات العصيان لم يتمكن من النجاة منها إلا بخبرته الواسعة وتمرسه في المهنة، فكان حسه وعقله الواعي مفتاح الفوز على خصومه الذين تكاثروا من حوله في جولتي 1998 و2000.
وبحيويته وقبوله استطاع تكوين مجموعة من الأصدقاء أينما ذهب منهم كبار الشخصيات والمسؤولين وحتى رؤساء الدول.وأجاب في سؤال حول وصفته السرية للنجاح، أجاب: »المعرفة والمقدرة، الخبرة والإيمان بما تفعله«.
محمد سيف النصر
