تعرفنا في مقالة الامس على منظمة (فن العيش) وفلسفة مؤسسها وابرز الخدمات التي تقدمها حول العالم عبر جيش من المتطوعين، ونستكمل اليوم التعريف ببعض من انتسبوا لهذه المنظمة من الامارات وتفاصيل الاحتفال باليوبيل الفضي على تأسيسها وبعض المشاهدات التي سجلناها خلال هذا الحدث ومن بينها جلسات التأمل لمليوني شخص والحضور الاسلامي في هذه الاحتفالات.

* مواهب الشيباني

في بانجلور تعرفت على مواهب الشيباني، أول مواطنة اماراتية انضمت إلى منظمة (فن العيش)، وهي سيدة نشيطة جدا في المجال الانساني التحقت بالصدفة بهذه المنظمة عندما انخرطت في دورة عن فن التنفس قبل خمس سنوات.

لكن الحالة كبرت معها لتصبح مدربة منذ ثلاث سنوات لفن التنفس والتأمل وهي منذ ذلك الوقت متطوعة في المنظمة وقامت بزيارات إلى العراق ودول الخليج وبعض الدول العربية والافريقية لتقديم الدورات والمساعدات للمحتاجين. بالاضافة إلى تدربها واشرافها على الدورات التي تقام في الامارات..

وقد شرحت مواهب الشيباني خمسين طريقة للتنفس يتعرف عليها المنتسب للدورة وهي تهدف كلها إلى تدريب الانسان على التحكم في اعصابه وطريقة تفكيره وانفعالاته عن طريق التنفس الصحيح لتتحول هذه الحالة من مجرد تمرين روحاني إلى ثقافة يومية تلازم الانسان في جميع سلوكياته، ومع مواهب الشيباني تعرفت أيضا على فتاة اماراتية أخرى من أسرة معروفة لكنها كانت غرة وفي طور التدريب ويبدو عليها الارتباك والخجل.

* عائلة عالمية واحدة

في اليوم الأول للاحتفال ذهبنا إلى الساحة العملاقة التي اقيمت خصيصا للحفل في منطقة مفتوحة تستوعب اكثر من مليوني شخص، حيث تتخلل المساحات والجمهور شاشات عرض عملاقة لنقل ما يحدث في المسرح الرئيسي الضخم الذي زينته الفرقة الموسيقية المكونة من 3800 عازف .

. ثم بدأت المراسم بكلمات الزعماء الروحانيين من كل دول العالم وبعض اعضاء البرلمانات الاوروبية الذين تمحورت معظم خطاباتهم حول الخصوصية التي تمتاز بها الهند في الجمع بين العالم الروحاني المتمثل في الفلسفات الشرقية القديمة وبين العلم والتكنولوجيا الحديثة.

أما بقية الخطب التي القاها زعماء ورهبان وقساوسة وفلاسفة واكاديميون فتمحورت حول الرغبة العالمية في السلام وضرورة اعلاء ثقافات التسامح والمحبة والتركيز على الانطلاق من الجوهر الانساني الذي هو الاساس على ان تكون البداية بالتوقف عن العنف ونبذه والتأكيد على مبدأ الحوار والنقاش للتوصل إلى الحلول المرتقبة في السلام، وهي دعوة تبدو ملحة اليوم حيث تشتعل الحروب ويتكاثر الارهاب في اكثر من مكان في العالم.. كل ذلك كان يتم ويقال تحت شعار عريض هو (عائلة عالمية واحدة).

* الحضور الاسلامي

في هذا المشهد المهيب من التعددية الثقافية كنت ابحث عن الوجود العربي والاسلامي الرسمي، كانت اعلام الكثير من الدول ترتفع في سماء الحدث ما عدى اعلام الدول العريبة.

ومن بين زعماء الاديان وممثليهم بالكاد لمحت من بعيد شيخ دين مسلم بعمامة أزهرية اتضح لي فيما بعد انه شيخ مغمور اسمه الدكتور يوسف الحسني وهو مدير احد المراكز الاسلامية في كندا.

وفي كندا هناك مركز ضخم جدا لمنظمة (فن العيش) وربما تمت دعوته على هذا الاساس، بينما غاب عن الاحتفال اي تمثيل رسمي من جهة او مرجعية اسلامية يعتد بها، كما غاب التمثيل الدبلوماسي او الرسمي بحكم ان المنظمة غير حكومية.. ومع ذلك لمحت أيضا علم مملكة البحرين يرتفع بين حشود الناس المتجمهرة امام المسرح وكانت هناك اعلام أخرى من اميركا اللاتينية وافريقيا واوروبا.

* التأمل المليوني

في اليوم الاول للاحتفال وبحضور اكثر من مليوني شخص ارتفعت الموسيقا على المسرح وعبر مكبرات الصوت والقيت الخطابات والكلمات إلى درجة الملل والتكرار.

ثم جاءت اللحظة المرتقبة عندما دعا رافي شنكر إلى جلسة تأمل (ميديتاشن) جماعي. وبدأ الجميع بإغماض عيونهم وساد الصمت بين هذه الملايين من البشر. وكان شنكر يقود الجميع عبر أوامر بالتنفس وكيفية الشهيق والزفير وتأمل كل شخص لحالته الراهنة وهو جالس.

وبينما كان الجميع غارقا في هذه الحالة كنت اسمع صوتا لشخص يتململ ويتأفف وعندما فتحت عيني اكتشفت انها الشاعرة حمدة خميس التي فسرت لي هذه الحالة بأنها سيطرة روحية على كل هذه الجموع (الغبية) كما وصفتها، وتساءلت: لماذا لم نسمع صوت احد يرفض الخضوع لاوامر هذا الزعيم؟

وكيف تمكن هذا الفرد من قيادة كل هذه الجموع؟ وكانت لدى حمدة اعتراضات اخرى كثيرة ابرزها اللقب الذي ينادون به رافي شنكر وهو: صاحب القداسة (His Holiness)®.

*أشرم الاديان

في اليوم الثاني كنت قد تعرفت على مجموعة من الصحافيين من الامارات عندما اخذونا في سيارات جماعية إلى (الأشرم)، وهي لفظة مستمدة من الهندوسية وتعني احدى المراحل الاربع لحياة الفرد، ثم صارت تستخدم للدلالة على المعتكف او المركز الذي يتجمع فيه من يمارسون التأمل.

وهناك في الهند والتيبت العديد من هذه المعتكفات التي يزورها الآلاف من البشر من كل دول العالم للاختلاء بانفسهم وممارسة رياضات اليوغا وغيرها.

وخلال السنوات القليلة الماضية اشتهرت هذه المعتكفات او المراكز إلى درجة ان بعض المنظمات والبنوك والفرق المسرحية اصبحت تنظم رحلات جماعية إلى موظفيها او المنتسبين لها للدخول في احدى دورات التأمل التي تقدم في هذه المراكز، ثم امتد الأمر إلى ان اصبح لهذه المراكز فروع في اوروبا كما هو الحال في الفرعيين الكبيرين التابعين لمنظمة (فن العيش) في المانيا وكندا.

في (الأشرم) المعزول في منطقة خضراء ضخمة بعيدا عن مركز مدينة بنجلور، تجمعت ابرز الشخصيات المشاركة في الاحتفال منذ الصباح الباكر للتعرف على الاطروحات التي قدمها المشاركون في (المؤتمر العالمي للقيم الانسانية) وهم مفكرون وفلاسفة واساتذة علم الاجتماع من معظم الجامعات الشرقية والغربية.

وكانت تتخلل هذه المحاضرات جلسات تأمل وصمت لمدة 20 إلى 25 دقيقة بشكل جماعي، وكانت الخطابات تركز على وحدة الجوهر الانساني مهما اختلفت الثقافات وضرورة ان يكون هذا الجوهر منطلقا لنشر السلام والصداقة بين الشعوب من أجل بناء مجتمعات سليمة متماسكة.

* انحناء الملوك

في اليوم الثالث والأخير للحفل، وبحضور الرئيس الهندي عبدالكلام، قام رافي شنكر بتكريم العشرات من النشطين عالميا في العمل الانساني، وكانت مراسم التكريم تتم بالطريقة الهندية حيث يتم تقليد الشخص بما يشبه الشال الحريري وسلة دائرية مليئة بالفواكه والورد.

ومن بين الأفواج الكثيرة التي تم تكريمها لم اسمع اسما عربيا سوى أميرة عبيد من مصر وهي احدى الناشطات في المجال الانساني، وما يلفت حقا في هذا اليوم هو قدرة هذا الزعيم وسلطته التي تجعل من كل هؤلاء الاساتذه والفنانين واعضاء البرلمانات يقدمون له انحناءة الاحترام كما لو كان ملكا متوجا.

* خدمة الآخرين

الاختلاف الجوهري في فلسفة رافي شنكر هو تقديس (الخدمة) التي يقدمها الانسان للآخرين، وبينما تنتهي معظم المدارس الروحية إلى تخوم الخلاص الذي ينشده الانسان والاستقرار الداخلي الذي يناله بعد رحلة التأمل، فان مدرسة رافي شنكر تدعو إلى عمل الخير ومساعدة الآخرين. و(الخدمة) هي جوهر هذه الفلسفة.

وبها استطاعت المنظمة ان تكسب لها هذا الكم الكبير من المتطوعين حول العالم، وهي قريبة جدا من المثل الذي يقول (اعمل خيرا وارمه في البحر)، فالانسان عندما يقدم خدمات مجانية للآخرين يتخلى تلقائيا عن انانيته، ولو مؤقتا.

- عادل خزام