شعراء وفنانون .. زعماء طوائف ومشايخ ورهبان وقساوسة.. بقايا هيبيين.. فقراء ومشردون وتجار ومهراجات.. علماء وفلاسفة.. وأيضا رجال سياسة ورؤساء دول واعضاء برلمانات أوروبية ..

كل هذا الطيف الانساني العالمي تجمع قبل اسابيع تحت سماء مدينة بانجلور الهندية للاحتفال بمرور 25 سنة على تأسيس منظمة (فن العيش) هذه المنظمة التي تقدم خدماتها في أكثر من 414 دولة ومدينة حول العالم لتخفيف المعاناة من ضغوطات الحياة المعاصرة المعقدة حيث امتدت هذه الخدمات الى نزلاء السجون في دبي، والمتأثرين بالتفجيرات في العراق.

وضحايا الزلازل والفيضانات في المدن والقرى حول العالم عن طريق تزويد كل هؤلاء بثقافة التأمل او (الميديتاشن) عبر متطوعين يقدر عددهم بنحو 20 مليون عضو في هذه المنظمة التي يترأسها الزعيم الروحي الهندي سري سري رافي شنكر..

رغم انتشار ثقافة التأمل واليوغا والريكي وغيرها منذ سنوات بعيدة في دول الخليج.. ثم انتشار ممارستها بين ابناء دول الخليج خلال السنوات الاخيرة، الا ان فئة قليلة بالكاد سمعت عن منظمة (فن العيش) وهي منظمة شقيقة وفرع من منظمة أخرى هي (المنظمة العالمية للقيم الانسانية) ومقرها جنيف..

ورغم انتشار وشهرة اسماء الزعماء الروحانيين وفي مقدمتهم (أوشو) الذي يشاع ان المخابرات الاميركية قتلته بأمر من الرئيس ريغان ، الا ان زعيم ومؤسس هاتين المنظمتين وهو سري سري رافي شنكر لا يزال اسما غير معروف في الخليج رغم شهرته العالمية.

وقد سألنا شنكر حين التقيناه في الهند عن طريقة التنفس التي يعتمدها في تدريباته، هل هي مستمدة من الثقافة الهندية القديمة..؟ فقال انها من ابتكاره الشخصي حيث جاءت عن طريق الالهام بعد عشرة أيام متواصلة من التأمل والصمت والصيام..

وتبدو قصته هنا شبيهة بقصة الياباني الدكتور ميكاو يوشوي الذي ابتكر هو الآخر فن (الريكي) او العلاج بالطاقة بعد 21 يوما من التأمل والصيام في أحد الجبال..

هناك بالطبع فرق شاسع بين (الريكي) و(فن العيش) سنتطرق له في مقال لاحق ، لكننا سنتعرف أولا على دور المنظمة العالمية للقيم الانسانية وفرعها في الامارات..

ثم سنتوسع لمعرفة النظام الذي يحكم عمل هاتين المنظمتين (القيم الانسانية) و(فن العيش) من الداخل وابرز الشخصيات التي كرمتها وعلاقتهما السياسية بالامم المتحدة وبقية المنظمات العالمية، وعلاقتهما الروحية بالاديان، وتحديدا الدين الاسلامي..

الرحلة إلى بانجلور

تم الاتصال بي عن طريق (سونيلا) وهي سيدة هندية مقيمة في دبي تعمل في مجال الكمبيوتر، وهي أيضا مديرة (متطوعة) لمكتب المنظمة العالمية للقيم الانسانية في دبي..

دعتني سونيلا مع مجموعة من نحو 700 شخص من الصحفيين والكتاب والادباء والمهتمين بالشؤون التطوعية والانسانية من دول الخليج لحضور احتفالات منظمة (فن العيش) باليوبيل الفضي لتأسيسها..

وبلغ عددنا نحو 2000 شخص من الشرق الاوسط الذين سافرنا الى هذه الاحتفالات حيث تكفلت المنظمة بنفقات سفرنا ومعيشتنا واقامتنا لمدة خمسة أيام قبل الاحتفال في الفترة من 17 الى 19 فبراير الماضي.. ويقدر العدد الاجمالي الذي تكفلت المنظمة بمصاريف حضوره الى هذا الاحتفال بنحو 15 ألف شخص من معظم دول العالم شاملة الاكل والاقامة وتذاكر السفر..

في الطائرة من دبي الى بانجلور تعرفت على شروق العبد، وهي فتاة لبنانية في نهاية العشرينات من عمرها ومقيمة منذ سنوات في دبي وتعمل أيضا في مجال الكمبيوتر..وقد قررت شروق فجأة ان تترك كل التزاماتها العملية وان تتطوع للاعمال الانسانية لمدة سنة فالتحقت بفرع المنظمة العالمية للقيم الانسانية في دبي وتم منحها منصب مدير العمليات..

سجناء العالم

بعد حالة من التأمل من نافذة الطائرة حيث المحيط الهندي يمتد في زرقته اللانهائية .. سألتني شروق: هل تخاف من السفر بالطائرات؟ قلت لها: الطائرة سجن عائم في السماء ولا يملك الانسان ان يعمل شيئا ان حدث مكروه لا سمح الله..

وشعرت انها استغلت كلمة (السجن) لتخبرني عن المجهود الذي قامت به المنظمة(فن العيش) في تنظيم جلسات علاج بالتأمل والتنفس لحوالي 45 نزيلا في المؤسسات العقابية في دبي من الذين وصلوا الى حالات نفسية منهارة ومستعصية.. وكيف كانت النتائج جيدة جدا على هؤلاء السجناء حيث ارتفعت معنوياتهم وتخلصوا من حالات اليأس بسرعة.

. وكانت هذه الدورات مجانية وسبق للمنظمة ان اقامت دورات مجانية للسجينات في سجن الوثبة بالتعاون مع وزارة الداخلية ودورات مماثلة في سجون أكثر من 25 دولة من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا وفرنسا.

وقد قام زعيم المنظمة رافي شنكر بابتكار طريقة خاصة في التنفس لعلاج حالات السجناء لتخليصهم من العنف والغضب والندم وبالتالي اعادة تأهيلهم معنويا للانخراط مرة اخرى في المجتمع..

وخارج السجن قامت المنظمة بتنظيم عدد من البرامج لمساعدة كبار السن واعادة تجميع اجهزة الكمبيوتر بالتعاون مع كليات التقنية العليا وبنك دبي الوطني وبنك الامارات وقرية المعرفة والجامعة الاميركية.

. وهي برامج بسيطة مقارنة مع البرامج الرئيسية التي تقدم الى آلاف القرى الفقيرة في الهند لبناء البيوت والمدارس، وكانت هذه الجهود حاضرة دائما في المناطق المنكوبة بالكوارث مثل تسونامي.

ومناطق الحروب ومن بينها العراق وافغانستان وافريقيا تعتبر (المنظمة العالمية للقيم الإنسانية) منظمة عالمية غير حكومية ذات وضع استشاري خاص يربطها بالمجلس الإقتصادي والإجتماعي في الأمم المتحدة. وتم تأسيس المكاتب الرئيسية الشرق أوسطية لها في مدينة دبي للخدمات الانسانية ..

كانت شروق سعيدة بالانتماء الى (المنظمة العالمية للقيم الانسانية) لان الخطاب المطروح في برنامج العمل يبدو عقلانيا وواضحا ومحددا بـ (القيم الانسانية) المشتركة حول العالم، بعكس المنظمة الشقيقة (فن العيش) التي تحمل الكثير من الممارسات الروحية والدينية التي قد تدفع الانسان الى الشك بان خطابها ربما يكون مغلفا بمسحة دينية..

وبغض النظر عن الباطن فان الخطاب في كلتا المنظمتين يبدو متشابها ويدعو الى الشعارات نفسها وهي الدعوة الى المحبة والتسامح ونبذ العنف وهي قيم موجودة أصلا في الكثير من الاديان وتتجلى أعلى شيئا في الدين الاسلامي الحنيف.. ومثل شروق العبد..

هناك العشرات من الاطباء والمهندسين والمحبين للصداقة والعمل التطوعي والانساني الذين يتبرعون ويبادرون للمشاركة في الحملات التي تنظمها هذه المنظمات في المناطق المحتاجة..

زيارة دبي

في المؤتمر الصحفي الخاص لرافي شنكر الذي سبق الاحتفال سبق الاحتفال باليوبيل الفضي، كتبت سؤالي في ورقة ومررته الى زعيم المنظمة وكان كالتالي: رغم قيامك بزيارة 144 دولة العام الماضي ورغم وجود مكتب للمنظمة العالمية للقيم الانسانية في دبي منذ 10 سنوات الا انك لم تزر الامارات حتى الآن.. لماذ؟

فأجاب قائلا: الامارات ودبي .. نعم انها في جدول اعمالي وسأقوم بزيارتها بالتأكيد.. ثم في اليوم التالي عندما التقيت به بشكل شخصي سألته ان كان قد حدد موعدا لزيارة دبي فقال انه ينتظر ان توجه له دعوة رسمية..

ينتقل سري سري رافي شنكر اليوم بين العديد من دول العالم ويلتقي الزعماء السياسيين والروحانيين.. وبالاضافة الى ثلاثة مقار رئيسية لمنظمة (فن العيش) في المانيا وكندا والهند، هناك المئات من المكاتب الفرعية لها في اكثر من 144 دولة ومدينة في كل قارات العالم.

كما ترتبط منظمته باتصالات قوية مع جميع المنظمات والهيئات الانسانية الدولية حيث تعد منظمة (فن العيش) اليوم اكبر منظمة عالمية قادرة على ارسال متطوعين من اطباء ومعلمين ومدربين الى مناطق الحروب والمناطق المنكوبة.. واستطاعت المنظمة ان ترسل اكثر من فريق من الاردن والامارات لتخفيف المعاناة على ضحايا التفجيرات في العراق..

ومن الطرائف التي يرويها المتطوعون اللقاء الذي جمع بين زعيمهم وبين الرئيس الاميركي جورج بوش الذي قال له: تعال يا رافي واعمل من اميركا ولتكن اميركا بيتك.. فقال له رافي: شكرا.. ولكن الأرض هي بيتي.. وقد نالت جهود رافي شنكر احترام العالم وتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام.

عادل خزام