شهد مسلسل الخلاف بين الأديبين الجزائريين الطاهر وطار ورشيد بوجدرة فصلا جديدا هذا الأسبوع حين كلّف الأول محاميه برفع دعوى قضائية ضد غريمه في الصنعة بدعوى القذف.

جاء لجوء وطار إلى القضاء بعد نقل إحدى الصحف الجزائرية تصريحا لرشيد بوجدرة في محاضرة له بمدينة عنابة يقول فيه إن وطار «أصيب بالغيرة عندما بدأت أكتب بالعربية في 1982 مع رواية «التفكك»، واصفا ما يدعيه وطار بخصوصه بـ «بالكذب والنميمة».

وبرر وطار تصرفه برغبته في «الحفاظ على تعففي عن النزول إلى المستوى الصبياني الذي يجهد رشيد بوجدرة لجرجرتي إليه».. ونظرا كذلك إلى كون المسألة «ليست ثقافية ولا أدبية». فما عساها أن تكون إذن؟

ذكر بيان مقتضب من وطار حول تحويل خلافه مع بوجدرة إلى القضاء سببا واضحا لتصرفه يتمثل في «تهمة القذف والتجريح» المقدّرة في وصف بوجدرة لبعض أقواله فيه بـ «الكذب والنميمة». غير أن الواضح بالنسبة إلى المتتبعين لمواسم العلاقة بين كاتبي الجزائر الأولين هو أن ثمة دوافع أخرى لتصرف وطار ربما هي أسبق وأهم مما ذكر.

وهي على الأرجح أسباب ظلت تتكوّم طبقة فوق طبقة حتى بلغت الحد الذي لم يعد وطار قادرا على حملها، أو ربما لم تعد الأوساط الضيقة التي تتداول فيها بكافية في نظر وطار لحمل بوجدرة على عدم تخطي الخط الأحمر في علاقته به، وبالخصوص مع تسرب أخبار عن قرب إصدار بوجدرة رواية باللغة العربية.

وتكفي بهذا الخصوص، الإشارة إلى أن وطار نال السنة الماضية (2005) من أضواء الإعلام ما يفتح الشهية في المزيد. وذلك من خلال سلسلة التكريمات التي خص بها عربيا وجزائريا، خاصة نيله جائزة الشارقة للثقافة العربية التي تمنح بالتعاون مع اليونيسكو، والتي مكنته سن مشروع جائزة الرواية الجزائرية والتي أطلق عليها اسم أحد الروائيين الجزائريين توفي مؤخرا .

وهو «الهاشمي سعيداني»، ثم تكريمه من قبل أكثر من مؤسسة جزائرية من بينها مؤسسة الفنون المطبعية للنشر الحكومية التي أعادت إصدار أعماله الأدبية الكاملة والمجلس الشعبي لمدينة الجزائر ومجلس بلدية بلوزداد في العاصمة أيضا.

وقد جاء هذا كله بعد تلك الخصومة النارية بينه وبين روائي جزائري آخر هو واسيني الأعرج الذي اتهم وطار على أعمدة يومية «النصر» بمعاداة المرأة في أعماله الأدبية.

وتواطئه مع الأصولية الإسلامية في الجزائر خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، ورد وطار عليه باتهامه بسرقة عناوين مؤلفاته منه، ثم رد واسيني بمقال مطول أخذ شكل إجابة عن تساؤل محوري وسم به المقال/ الرد، والذي نشر في يومية «الخبر»:

ماذا بقي من وطار؟ أشار فيه واسيني إلى نهاية وطار إبداعيا. سلسلة التكريمات التي نالها وطار فهمت على أنها نوع من العرفان تجاه هذا الأديب الكبير. كما فهمت أيضا على أنها نوع من المساندة له في معاركه السابقة، خاصة معركته مع الروائي واسيني.

والتي لم يمض على وقائعها إلا بضعة أشهر. وهو الأمر الذي دفع بواسيني الأعرج للتلميح بأن الساحة الثقافية الجزائرية أقل من أن تستجيب لطموحاته الإبداعية، وهي لا تعنيه في الوقت الراهن.

ولئن كانت حال وطار على هذه الشاكلة، إلا أن الوضع مختلف بالنسبة إلى بوجدرة سواء في الفضاء الجزائري أم العربي أم الفرنسي بوجه التحديد. هذا إلى جانب ما يعرف به بوجدرة من زهد واعتزال علني لأضواء السياسة وعشق لكل ما يجد فيه فسحة للحرية. ثم هناك عامل آخر ذو صلة بفضائه الحيوي ثقافيا وأيديولوجيا.

ويتمثل في أن صاحب «التطليق - 9691» لم يعد ينال تلك الحظوة التي كانت له في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي على أعمدة الصحافة الفرنسية ابتداء من حادثة تراجع صحيفة ليبراسيون في 2000 عن تخصيص صفحتها الأخيرة له للحديث عن روايته «الانبهار» لدواع سياسية في المقام الأول.

أضف إلى ذلك احتداد المنافسة عليه مع عودة صعود أسهم الأديبة آسيا جبار مع تربعها على كرسي في الأكاديمية الفرنسية وبروز أسماء جديدة في بورصة الرواية الجزائرية ذات اللسان الفرنسي مثل بوعلام صنصال المتعاقد مع دار غاليمار وياسمينة خضرة.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي: