لا تتوقف التجربة لديه عند حد معين، بل تمضي رغم كل هذه السنوات الطويلة من التجربة قدماً نحو المزيد من حالات التجريب، والاكتشاف، ورغم أنه يصنف واحداً من كبار الكلاسيكيين في الساحة التشكيلية الفرنسية.
إلا أن كلاسيكيته هذه لم تجعله يقتنع بالاستكانة للمهارة، والجماليات السطحية، بل الى العمل الشاق والمضني في تقديم قراءات عميقة وساخنة للمواضيع المفضلة لديه ألا وهي الطبيعة.
يعتبر الفنان الفرنسي ديني ريبا واحدا من رموز الحركة التشكيلية الفرنسية في الفترة الاخيرة، حتى أن النقاد اعتبروه فنانا ولد في عصر غير عصره، لأن اعماله تنتمي الى تلك المرحلة التي عاش فيها عمالقة الحركة الفنية العالمية، فلوحة هذا الفنان، الذي افتتح معرضه مساء أول من أمس في منتجع «ون أند أونلي رويال ميراج» بحضور كبير وملفت ـ تضعك أمام البهاء الذي يمكن للعمل الفني بصورته التقليدية المحمولة أن يصل إليه.
وهو وإن كان يعيش ويتنقل بين مجموعة من العواصم العالمية التي تعتبر المراكز الحقيقية للتيارات الجديدة في الفنون البصرية، إلا أنه اختار لنفسه خطاً واحدا وواضحاً، في وضع كل قدراته لإنتاج لوحة مبهرة، تستفيد من مجمل التقنيات التي عرفتها اللوحة الزيتية، على يد رموزها.
ويطورها هو عبر اسلوبه الخاص الذي يمزج فيه بين بساطة الموضوع، وخصوصية المعالجة، والتفرد في آليات التعاطي مع اللون، والعناصر، والخطوط، والمناخ العام الذي يميل نحو الوحشية والقسوة، وأن تصير اللوحة مساحة لتجسيد كل الانفعالات النفسية، وهي في مجالها انفعالات متولدة من خصوصية العلاقة مع الموضوع وطريقة فهمه، وأسلوب تقديمه.
المتجول بين اعمال هذا الفنان يشعر بحق أنها تجارب هاربة من زمن آخر، لكن ديني ريبا الحاضر بين أعماله بقلق ورغبة في رصد انطباعات كل من يقف قرب أعماله، وكأنه يخوض مغامرة معرضه الاول.
يؤكد أنها مرسومة منذ أشهر قليلة فقط، يشرح للمتلقي كل التفاصيل المتعلقة بالعمل، أين شاهده، وكيف رسمه، والحالة النفسية التي كان يعيشها خلال رسم اللوحة التي تعكس نهجه المرتبط بالريف والطبيعة، التي اختارها لتكون المحور الاساسي والجوهري لتجربته.
يرسم ريبا على اللوحة مباشرة، أي انه يمزج ألوانه عليها مباشرة، يخفف من حدة اللون هنا، ويقسو فيه هناك، ولذلك تجد أن اللوحة مثقلة بالألوان والاطياف، والخطوط والهوامش، لا مساحة في اللوحة لفراغ، أو منطقة بيضاء، بل ان الألوان تشعرها تتصارع فيما بينها، لفرض حضورها وكيانها المستقل والخاص.
تقوم لوحة ريبا على مشاهداته وجولاته في الأرياف، لكنه يكثف في زوايا الرؤية، ويضع مواضيعه تحت حالة من التشريح المجهري الدقيق، يُفعل من طاقة الغموض، بحيث تصير نظرة سريعة الى العمل كفيلة بوقوعك في المصيدة، فالغابة لديه غامضة ومتشابكة، والدروب الترابية لا تفضي الى نهاية ما، شيء ما يشبه الخطة الدرامية الممسكة بعناصر العمل .
والتي تقوده الى المكان الذي تريده، والنهاية التي تراها مناسبة، لكن هذه الخطة المبطنة تترك ذلك الهامش الموحي بالفوضى والتناقض، المستمد من كون اللوحة لديه، مرتبطة اساساً بطاقاته العاطفية، وانطباعاته الحقيقية عن الموضوع الذي لا يجمله، ولا يحاول نقله بأمانة المسجل، بل برؤية المبدع، والملفت في اعمال هذا الفنان انه لا يعتمد على لعبة مزج الالوان بقصد تخفيفها.
وجعلها منسجمة مع المساقط الضوئية، بل غالباً ما يترك اللون على حاله كما هو حتى ولو كان حضوره فجاً ومباشرا، إذا نحن أمام اعمال غير مشذبة، فخط اللون نراه بارزا وثقيلاً وكأنه مادة طينية أكثر من كونه لونا، يحاول نقل احساس التراب، والطين، والخضار، عبر اللون ذاته .
وليس من خلال خامات مصاحبة، يتحول اللون في غالبية الاعمال من مادة للإيحاء والتعبير، الى مادة حقيقية، اللون هنا ليس للتزيين، بل لنقل أكبر قدر ممكن من الاحساس الواقعي والتفاعل الحقيقي مع موضوع العمل، وكأنه بشكل أو بآخر يسعى لخلق ترجمة قولية لكل لوحة من لوحاته، أو هو يحاول اقتطاع جزء من المكان الذي يرسمه، ليؤطره داخل اللوحة.
معرض الفنان الفرنسي العالمي ديني ريبا الذي يستمر لغاية 28 الشهر الجاري فرصة للتعرف على تجربة فنية لها حضورها الفني على مستوى العالم.
وهي بصورة عامة تجربة ممتعة في التقاطع مع أجواء هذا الفنان وعوالمه، ومنهجه الفني الاسلوبي الخاص، وعلى الرغم من الموعد الذي جمعنا بقصد حوار ندخل فيه بصورة افضل الى تجربته، الى أن انجليزيتي المتواضعة.
والتي لا يتقنها نهائيا، وفرنسيتي العاجزة، جعلت اللقاء ينتهي خلال أقل من نصف ساعة شربنا فيها القهوة، وفهمت منه انه يدعو المشاهدين للدخول في عالم لوحاته ورسوماته من أجل ان يجربوا الاحاسيس نفسها والعواطف والانفعالات التي مر بها نفسه خلال أداء كل عمل من أعماله الفنية.
حازم سليمان
