اللغة ميزت الروائية الكويتية فوزية شوبش السالم، ليس فقط في شعريتها ودلالاتها، بل في تراكيبها وتكثيفها وأساليبها الموجبة، ومطاوعتها ومستوياتها وقدرتها على التألق والارتقاء بكل الأجناس الأدبية التي اشتغلت عليها ... فديوانها الشعري الأول «إن تغنت القصائد أو انطفأت فهي بي» كان عام 1995، والثاني «في مرآتي يتشهين عصفور الذهب» عام 1999، بينما كان أول عمل مسرحي لها «تداخلات الفرح والحزن» عام 1990، والثاني «الطوابق» عام 1997، وتوزعت رواياتها: الشمس مذبوحة والليل محبوس، النواخذة، مزون وردة الصحراء، وحجر على حجر ما بين الأعوام 1997 و2003.
تقول الروائية فوزية السالم عن بدايتة رحلتها مع اللغة: كان الشعر زائري الأول، الضيف الجميل الذي أتاني بفيوض الكلمات وفرح اللغة وتفتح الأعماق بكل ما هو سري وغامض. ومحمل بالنستالجين والوجد والألم.
ـ ومن أين هذا التألق اللغوي؟ وماذا عن إشكاليات وأشكال اللغة ضمن الأجناس، وتبايناتها. بين مبدع وآخر؟
ـ اللغة وإشكالياتها وكأنني أقسم إشكالياتها إلى أشكالها وصورها المتنوعة والشطر الثاني آلياتها وهو ما سوف أشتغل عليه في روايتي القادمة، هذه اللغة الساخرة والآسرة المهادنة والمتوحشة والسادرة في غييها.
حين جئتها من الرسم إلى الكتابة حملت معي الصورة وحشرت على مقاسها الكلام، كنت أرسم وأدع اللغة تحاول تفسير ما رسمته، لا أدري إن كنت فعلاً قد كتبت؟ كنت أطبع صور في معامل اللغة لتبييضها وإظهارها ولذلك جاءت لغة جديدة غير معتاد عليها، لغة لها صفاتها الخاصة بي، الناتجة من انزياحات كثيرة من بصيرة رسام وليست بصيرة لغوي، وأحببت لغتي التي ولدتها وجاءت مني، كتبت اللغة بدون الوعي باللغة، وإن جاءت جديدة ومثيرة للجدل لأنها جاءت بلثغتها الخاصة بها، الآن بعد مرحلة نضج الوعي الفني أجد هذه اللغة الساحرة باتت مسيطرة على عقلي ومستولية على إحساسي بالكامل.
المبدع مطالب بتفجير الطاقة الكامنة في اللغة لتشع بقوتها الجمالية والدلالية والايحاءية الممتلئة بالسحر والإيقاع وبرموز أصواتها المختلفة، والكاتب الواعي يستفيد من هذه الديناميكية المتفجرة منها بشحنات من التوتر المتعاقب في النص.
الناتج من عصب وخلايا اللغة ومرسل لعصب وخلايا القارئ عبر جسد المؤلف المأخوذ بغواية وسحر اللغة.
ولن تأتي الكتابة إلا من جسد المؤلف وعبر امتزاج شبكة أعصابه بشبكة أعصاب رموز اللغة، لأن اللغة أصوات الإنسانية عبر الأزمنة التي تم اختزانها في رموز لتمثل الخوف والموت والقلق والمحو والزوال، لذلك عمق اللغة وإبهارها وإعجازها يأتي من قوة التجارب الروحية والاستبطان لذات المبدع.
ـ وماذا عن فوزية والبيئة الخليجية .. من النواخذة والبحر إلى مزون وردة الصحراء؟
ـ ما كان لأسرتي علاقة بالبحر، والدي كان تاجراً وليس نوخذة وعلاقتي بالبحر علاقة عشق لكائن اسطوري جاورته في طفولتي وملأني بسطوته.
كنت أفتح باب منزلنا لأجد أمواجه تغسل عتبة الباب.. وحين أعود من المدرسة ألقي بحقيبتي بمدخل الليوان وأهرول للبحر بمريولي ناسية الدراسة والواجبات المدرسية.
هذه المرحلة ربما كانت أهم دافع ومحرك لانبعاث رواية «الشمس مذبوحة» زائد «النواخذة»، البحر بكل جلاله وطقوسه غير العادية في الصيف والشتاء، زمجرت الأمواج والقراقير وشباك الصيادين، وبراءة الشاطئ من المدينة. هذه البيئة البحرية سكنتني بسرية تامة وأعلنت عن ظهورها في رواياتي فيما بعد، في «الشمس مذبوحة» كتبت إحساسي في ذلك المكان الذي أحببته حتى الآن، أما في رواية «النواخذة» كتبت عن مهنة «النوخذة» التي كنت أجهلها تماماً وحين قرأت عنها أصبت بالدهشة والألم حتى النخاع.. كتبتها بإحساس المستشرق الذي ينظر إلى الشرق باندهاش وإعجاب، لذا جاءت الرواية خارجة عني بأصداء الزمان والاغتراب، كتبتها وأنا بعيدة عنها لم أشاهدها بعيني الكويتية.
أما «مزون» فالرواية ترتبط بعمان أكثر من الكويت وبالبيئة البحرية والجبلية والصحراوية الخاصة بعمان، وما يخص الكويت منها هو القص الاجتماعي وأزمة المناخ.
وما كتبته عن «عُمان» كان إعجابا وانبهارا بطبيعة المكان ولولا سحر المكان ربما ما كانت الرواية، جمال المكان وغموضه كان لهما أثر كبير في انبعاث الإلهام، ولذلك أهديت الرواية إلى خيال المكان إلى عُمان. أعتقد أن هناك أشياء كثيرة مازالت طازجة ومدهشة في الخليج. لم يكتب عنها ولم يتداولها أحد.
ـ أين تكمن العلاقة بين الزمان والمكان من جهة والمكان والتاريخ من جهة ثانية؟ وما يميز ويؤطر رواية «حجر على حجر» بهذا الخصوص؟
ـ «حجر على حجر» كانت مراهنة كبيرة على اللعب والتقنية، ولولا هذه المغامرة لما وجدت. فقد كانت التحدي لكتابة الرواية، لأن الإشكالية نتجت من أسلوب الكتابة فيها، كيف تقنع القارئ بزمن الرواية الممتد بين خمسة قرون وعدد صفحات لا يتجاوز الثلاثمئة وخمسين صفحة وحكاية أجيال عديدة ممتدة عبر زمنها المختصر.
محمود أبو حامد