قبل خمسين عاما وعندما تخرجت الفنانة سيلفيا كلارك من كلية كمبرويل للفنون في لندن، قررت أن تبدأ رحلة مغايرة في الفن والحياة، وان تخط لنفسها عالما تبتدعه هي، وتصنعه على مزاجها وكما تحب، ولذلك كان قرارها أن تمتثل لقوة الغريزة الكامنة في روح المبدع، أن تتبع تلك الهواجس الوحشية، والنزوات التي قد تكون مميتة، فالإبداع الحقيقي وكما تقول هذه الفنانة «الإبداع يكمن في الحياة الحقيقية، لا شيء يستحق الرسم أكثر من الحياة، الأشياء الجامدة لا تستحق أن نقف عندها مهما كانت روعتها».
منذ تلك السنوات البعيدة بدأت سيلفيا رحلتها التي اتسمت حينا بالعبثية المطلقة، وحيناً آخر بالجنون، لكنها في نهاية المطاف خلقت فنانة عالمية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وامرأة محيرة، في قدرتها على البقاء وحيدة، رغم الأضواء التي تلاحقها، والصداقات الشخصية التي جمعتها بجان بول سارتر، بيكاسو، هنري ميلر، سيمون دي فيوبار،جان جينية، فريدا كالو محمد شكري، وغيفارا، الذي التقته قبل موته بعام واحد في إحدى الغابات النائية في أميركا اللاتينية، منذ عشرة أعوام تقريباً وبعد أن أجبرها التقدم في العمر أن تحمل عكازاً، اختارت قبرص لتستقر فيها رغم أنها تكره كلمة استقرار لأنها مقترنة بالموت كما تقول، قبرص المستقر لم تجعلها تستكين، فمن محترفها هناك بدأت تقوم برحلات قصيرة تتناسب مع عمرها الذي قارب التسعين عاماً، كان آخرها أحدى الجزر الهندية، وها هي اليوم حطت رحالها في دبي في زيارة خاطفة عرضت فيها بعض أعمالها في مجلس غاليري، سافرت بعدها إلى إيران، ومن هناك لا احد يعلم إلى أين ستمضي، في رحلتها التي تبحث فيها عما يعطي لتجربتها الإبداعية المزيد والمزيد من التألق والخصوصية.
الوقوف أمام أعمال هذه الفنانة، هو وقوف أمام تجارب مرسومة بالأعصاب والمشاعر أكثر منها في الألوان والخطوط، فلكل لوحة من لوحاتها حكايتها الخاصة، وسياقها الزمني المستمر، فهي لا ترسم لتختزل الزمن، أو لتقتنص لحظة منه، بل لتؤكد على حيويته، ولتدفعه نحو الأمام، فالزمن المتوقف هو زمن ميت، واللوحة التي تحاول ذلك هي لوحة ميتة بالضرورة،ومن هنا فإن كل ما تفعله هذه الفنانة هو البحث وسط الناس أينما كانوا في هذا العالم، عن لحظة جديدة وعن حركة لم تلحظها من قبل، وعن إشارة يمكن لها أن توظف في العمل،ومن هنا فإن عينيها لا تتوقفان عن متابعة كل ما يدور حولها، وهي إن تفخر بشيء بعد كل هذا العمر، هو أن نظرها لايزال قوياً، وحاسة الشم كذلك، وهما السلاحان الأساسيان في عالمها الفني، أما يداها اللتان أصيبتا بوهن شديد في الفترة الأخيرة واحدة منهما تقبض على العكاز والثانية تأخذ هيئة القابض على الفرشاة، حتى وهي تمسك الملعقة.
وكما هو الحال في ترحالها الجغرافي الدائم، ثمة ترحال غني في الأساليب الفنية والتقنيات التي تعتمد عليها، ربما لأنها عايشت صعود وهبوط غالبية الاتجاهات الفنية التي شهدها القرن العشرون، وربما لأن الأمر مرتبط بشخصيتها الفنية القلقة والمتوترة، والتي لم تصل حتى هذه اللحظة إلى أي قناعة نهائية في شيء، فالتجريب ضرورة، والاستكانة مرفوضة، والموضوع الذي أمامها هو الذي يفرض طريقة التعبير عنه، وهو الذي يُملي شروطه الفنية، لكن الشيء الجوهري الذي لا تحيد عنه هو أن الإنسان وعلاقته بما يحيط به من قوى مادية وغير مادية هو الأمر الأمثل والذي يستحق كل هذا العناء، «لماذا أرسم الأبنية وهي في نهاية المطاف رغم جمالياتها مصنوعة لسجن الإنسان دفعه نحو مزيد من العزلة والجنون، ماذا في الشوارع لأرسمها مادامت كل شوارع العالم من ذات الفصيلة والمعنى».
تدخن سيلفيا أكثر من ستين سيجارة في اليوم الواحد، وتنام كالقطط بصورة متقطعة، وترسم لتبقى على قيد الحياة، ولا يعنيها أين تذهب أعمالها، حتى أنها لم تفكر يوماً بزيارة أحد المتاحف التي لا حصر لها التي تقتني هذه الأعمال في أجنحة الكبار، ولم تتأثر كثيراً عندما تم تصنيفها بين المبدعين الأكثر تأثيرا في القرن العشرين، هكذا هي تدير ظهرها للأمس ولا تلتفت للوراء حتى ولو سمعت من ينده لها، لم تتزوج لأن كل رجال العالم متشابهون رغم اختلاف أشكالهم، وادعائهم للقوة، ولأن هناك ما يستحق أن تشغل بالها بأنانية الرجل المفرطة ورغبته الأبدية في التحكم والسيطرة لكنها تقول ممازحة إن كان ثمة من يتزوجها وهي في هذا العمر فهي لن تمانع، على الأقل ستجد من يذكرها بموعد حبة الضغط التي تنساها دائماً.
حازم سليمان