يبدو أن إعادة النظر بكل شيء على كل الصعد صارت من الضرورات اليومية الملحة، لأن ثمة أموراً تتغير بسرعة مذهلة، وأموراً تتغير خلسة رويداً رويداً لدرجة لا نكاد فيها نشعر بتلك التغيرات، وإن شعرنا بها فسنكون متأخرين عن إمكانية إعادتها إلى وضعها الطبيعي أو تطويرها نحو الأفضل..

ولا يتوقف الأمر على مبادئنا وعاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا و... بل على ثقافتنا ولغتنا ومصطلحاتنا والتي منها فهمنا «للانطباع الأولي» فقد كنا سابقا نعتذر عن عدم قدرتنا الإحاطة الكاملة أو الجيدة بموضوع ما.

أو عدم فهمنا له بشكل جيد، أو تسرعنا في فهمه، نعتذر متذرعين بأن ذلك مجرد انطباع أولي.. لكن يبدو أن فهمنا لهذه الذريعة تغير تماماً هذه الأيام، بل تغير جذرياً.

وكأنه صار للانطباع الأولي ثقافته الخاصة به التي تتجاوز «المكتوب يقرأ من عنوانه، واكتشافات النظرة الأولى التي لا تخيب، وقلب المؤمن دليله..» تتجاوز الحس العفوي والفطري لتصب في الاستسهال والرتابة وعدم الرغبة في البحث أو في القراءة.

ولا يطال ذلك الانطباعات عن الأشياء والمعلومات والصور وعناوين الكتب والصحف والجديد من الأخبار.. وحسب، بل الكائنات الحية والناس في كل الأمكنة، ومنهم الموظفون داخل المؤسسات الرسمية والخاصة، وحتى داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية، وكثيرا من الصحفيين المحترفين والمميزين، مازالوا سجناء انطباعات أولية اتخذها مسؤول ما.

أو أُتخذت له من قبل متسلقين أو متطفلين اكتسبوا الحصانة الوظيفية نتيجة انطباع أولي جاء بالصدفة أو صنعوه بحنكة ودراية، والغذاء الرئيسي في استمرار ذلك هو العلاقات الشخصية، وسياسة ترك الأمور على الرف، لأن تحريكها قد يثير قليلا من الغبار؟!

والطامة الكبرى أن بعض الصلاحيات المعطاة لبعض القائمين على تلك المؤسسات تخولهم اتخاذ قرارات قد تهدد استقرار حياة إنسان وأسرته لمجرد انطباع سلبي عن ملامحه، أو لمجرد سماع زقزقة عصفور من عصافيرهم تشي عنه.

وما ينطبق على التقييم الشخصي لا يبتعد كثيرا عن التقييم الفكري أو السياسي، أو القراءات النقدية لأعمال إبداعية،ولكل ذلك أدوات وأساليب وثقافة خاصة أيضا، فأغلب الدراسات النقدية تعتمد التوصيف بدلا من التحليل، والتوصيف كما هو معروف، مجرد انطباعات أولية عن العمل الإبداعي، أكان عملا سرديا أو تشكيليا أو شعريا..

وهذا يصب أيضا في عدم الرغبة في البحث، وعدم القدرة على تجاوز ثقافة صارت سائدة في مؤسساتنا، وهي ثقافة المهنة التي يشوبها التساهل وعدم الدقة والطابع الروتيني في العلاقات، والأساس البحثي المعتمد على معرفة شيء عن كل شيء، بدلا من معرفة كل شيء عن الشيء.

Mah7z@hotmail.com