بعد سطوع شمس القرن الجديد، بما فيه من متغيرات مرتقبة فى حياة البشر، ينظر الكثيرون إلى مهنة الكتابة بعين شاكة وأخرى متوجسة، خاصة وأن المتغيرات التكنولوجية وما عكسته من ثورة معلوماتية غير مسبوق من شأنها أن تؤثر على العملية الإبداعية برمتها.
وقد شهدت الأعوام الأخيرة من القرن العشرين أسئلة كثيرة تدور حول هذا الشأن، بل إنها مازالت تتردد إلى الآن، وهو ما يعكس قلقاً مشروعاً من الكتاب تجاه مهنتهم كيف إذن يفكر المبدعون والكتاب إزاء هذه القضية؟
وهل يشعرون بطمأنينة أم مازال القلق مسيطراً على عقولهم؟ آراء كتاب ومبدعين ونقاد نستكشفها في السطور التالية عبر جملة مثقفين مصريين :
يؤكد د. أحمد عتمان أستاذ الأدب اليوناني أن كل كاتب تواجهه الآن نقطة تحول خطيرة وهى المحك في مستقبله، بمعنى أن التكنولوجيا - خاصة تكنولوجيا المعلومات - قلبت الموازين من عدة جوانب، حتى الجانب الشخصي تغير، فهناك الآن بعض الكتاب لم يعودوا يستخدمون القلم ويكتبون مباشرة على الكمبيوتر بينما آخرون.
- ويضرب د. أحمد عتمان المثل بنفسه - فهو لديه مكتبة كبيرة تحتوى على عدة آلاف من الكتب والقواميس واعتاد أن يمسك بالقلم وأن يفكر في الكتابة فلا يمكن أن تواتيه الأفكار دون أن يكون ممسكاً بالقلم ودون أن يرجع إلى أرفف مكتبته.
ويضيف د. عتمان بأن المشكلة الأخطر ليست فى الكُتاب وتعاملهم مع التكنولوجيا بل تكمن في المتلقين بشكل عام فقد دخل الكمبيوتر حياتهم وجعلهم متلقين للمعلومات فهؤلاء لم يعودوا يعطون للقراءة وقتاً فهم قد وزعوا الاهتمامات بين الإنترنت وبين الدش. ويرى الروائي فؤاد قنديل أن هذه المتغيرات تؤثر على منظومة الحياة بأكملها.
وليس على الثقافة فحسب، وهو يعتقد أن الكتابة الأدبية تحتاج من الكتاب إلى وقفة خاصة واهتمام بالغ ينطلق أول ما ينطلق من فهم مؤشرات هذه المستجدات وتأثيرها على منظومة الحياة، وخاصة الجانب الثقافي منها.
ويضيف قنديل: أتصور أن مستجدات مثل العولمة تهدف إلى ضرب الثقافة الخاصة لكل أمة من الأمم ذات الحضارة، وأتصور أن الكتابة عليها معول كبير فى مقاومة هذا الاستلاب فالكتابة هي حائط الصد الأخير للحفاظ على هويتنا مع تحقيق الرسالة الجمالية المبتغاة من كل فن.
عالمية الثقافة ويعتقد الناقد محمد السيد عيد أن الكتابة ستبقى ما بقي الإنسان، ولن يتغير إلا الوسائط التي تنقل الإبداع إلى المتلقين، وبالتالي سيتغير شكل الكتاب لكن لن ينتهى دوره، فإذا كانت الصدارة متوقعة للكمبيوتر والإنترنت فإن ذلك لن يقضي على المكتبات ولن ينهي دورها.
ولكنه يؤدى إلى تغيير شكلها، فبدلاً من المخازن والأرفف المكدسة بالكتب ستحتوى المكتبة على ديسكات وأقراص ليزر، والإنترنت لن ينهي دور الكاتب بل سيزيد من انتشاره وسيرفع من مستوى ثقافته فالإنترنت سيؤدى إلى عالمية الثقافة، والمستقبل للثقافة المرئية.
ويقول د. أحمد حسين الطماوي: لا أدرى بما أجيب على هذه الأسئلة الشائكة التي تحتاج إجاباتها إلى خيال وما يخطر على بالى الآن أن الكتابة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقراء، وبالمعاش الإنساني، وفى نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم يكن لدى الإنسان من وسائل المتعة والترفيه إلا الكتب والمجلات وكانت هى نفسها وسيلة التثقيف لكن الآن تغير الأمر.
وسيشهد هذا القرن تغيرات أكثر فأنا أتوقع انخفاض القراءة وزيادة عدد الكتاب غير الجادين الذين يكتبون أدباً هابطاً همه الإثارة التي تضمن التوزيع أما الكتابة الجادة فستضيع في زحام الكتابات الهابطة والساقطة بينما الكمبيوتر والإنترنت فسيغنيان الناس عن قراءة الكتب، لذا فأنا غير متفائل فيما يخص مستقبل الكتاب.
ويرى الناقد والمترجم طلعت الشايب أن مستقبل الكتابة يتوقف أولاً على مستوى تطور المجتمع بمعنى أن المجتمعات المختلفة ستظل متابعة بنفس أسلوب الكتابة وبنفس أسلوب التلقي .
وعندما نتكلم عن المجتمع المصري مثلاً وغيره من المجتمعات العربية فلابد أن نضع في اعتبارنا حجم انتشار لمعظم الجمهور المتلقي للكلمة المكتوبة وثانياً الإنترنت يعتمد على اللغة الإنجليزية، فكم عدد المتلقين الذين يتمكنون من استقبال الإنترنت؟
ثالثاً يقدم الإنترنت مادة لا تمت إلينا بصلة في معظمها ، لذا فمن الصعب القول أن الربع الأول من القرن الواحد والعشرين سيشهد تغيرات كبيرة في الكتابة أو في التلقي.
وأعتقد أن الخطر الأكبر هو السماوات المفتوحة، فعدد كبير جداً من المحطات يبث باللغة العربية ويواكب التطورات الإعلامية بأكثر مما تواكبه الإمكانيات المحلية، لذا لن يبقى وقت كبير للقراءة لأن التلفزيون أسرع، والصورة مغرية ولن تكون الأمية عائقاً.
كلام معاد وترى الكاتبة سلوى بكر أن الحديث عن مستقبل الكلمة المكتوبة فى مواجهة مخترعات العلم الحديثة هو كلام معاد، بدأ منذ اختراع الراديو ثم التلفزيون.
وكانت تتغير صيغ السؤال بتغير الوسائط الحديثة لكن المضمون ظل واحداً وفى كل مرة يتخوف الكتاب بينما الواقع يؤكد أن البقاء للكلمة المكتوبة، حيث تستطيع أن تقرأ فى الأتوبيس .
وفى الطائرة وعلى المقهى ورصيف المحطة. وتضيف: إن كل الوسائل والوسائط الحديثة تفيد الكتابة ولا تتنافسان، فسحر الكلمة سيبقى ودورها لن ينتهي وسيبقى ما بقى الإنسان ويوافقها على هذا الرأي القاص «يوسف أبو رية» الذي يقول:
رغم كل المؤشرات التي قد تبدو غير مواتية لصالح الكلمة المكتوبة فإن الكتابة ستظل دائماً ضرورة كالماء والهواء حتى فى عصر الإنترنت وفى عصور ما بعد الإنترنت، رغم انتقالنا إلى عصر الصورة بكل تجلياته فإن ذلك لا ينهى دور الكلمة، فالصورة تعتمد أساساً على الكلمة، والمتابع للفضائيات أو الإنترنت يميز برنامجاً عن آخر بمدى جودة وصحة الكلمة وقدرتها على التوصيل.
ويأتي الدور بعد ذلك على المبدعين ليؤكدوا على جدوى الكلمة المكتوبة بالإصرار على مواصلة الكتابة وتجويدها. ويتوقع الناقد د. الطاهر مكي ألا يقرأ الناس إلا الشعر العمودي والنشر الاسلوبي أما الكتابة الأخرى فلا مستقبل لها.
وجمهورها. وقراؤها هم الذين سيهجرون القراءة إلى الإنترنت والدش، أما القراء الأصلاء فباقون لذا فأنا غير متشائم وإن كنت أخشى من الذين يزعمون أنهم شعراء وهم دجالون في ميزان النقد الأدبي، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح.
ويقول د. محمد عناني أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة -القاهرة ورئيس تحرير مجلة «سطور»: إن شيوع الإنترنت سيؤدى إلى أن يتحول الشعر العربي عن منهجه الشفاهي.
ـ حيث يكتب للأذن ـ بحيث يصبح موجهاً للعين، وفى هذا خطر على طبيعة الشعر العربي، وأتصور أن ذلك سيكسب القصيدة خصائص الصورة بينما تنقص القصيدة نفسها عنصراً من أهم مقوماتها وهو الإيقاع أو موسيقى اللفظ.
خدمة (و.ص.ع)
القاهرة ـ «البيان»: