حين دخل عالم التشكيل أعلن عصيانه على السائد وعلى أساتذة الفن أيضاً، ثم ما لبث أن أسس أسلوبه الخاص في التعبير، وأطلق نوارسه لتملأ فضاء اللوحة بالألوان والخطوط المحمّلة بالمعاني والإشارات التي تشي بهمّ الوجود وقلق الذات المبدعة.

وبذلك كان الفنان الراحل فاتح المدرس (1922 ـ 1999) قد فتح صفحة بيضاء في تاريخ التشكيل السوري المعاصر، صفحة وضعته بين كبار التشكيليين العرب والأجانب، وجعلت من مرسمه الكائن في ساحة النجمة والمفتوح أبدا للزوار.

مضافة لكل عشاق الفن والأدب، ففاتح لم يكن مصورا مبدعا وحسب، بل كان شاعرا وقاصا ومؤلفا موسيقيا أيضا، وكان أيضا متواضعا، خفيف الظل، يجيد فن الحوار وطرح الأسئلة.

وُلد فاتح المدرس في مدينة حلب عام 1922 وبدأ حياته المهنية أوائل الستينات بعد أن أنهى دراسة التصوير الزيتي في روما وباريس، قام بتدريس الفن في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وانتُخب نقيبا للفنانين التشكيليين السوريين، ويعتبر المؤسس الأول لأسلوب التعبيرية الذاتية في التشكيل السوري، وقد فارق الحياة في الثامن والعشرين من عام 1999.

وبعد رحيله بعامين قامت زوجته شكران الإمام بتحويل مرسمه إلى صالة عرض احتفت بأعمال كبار الفنانين من أصدقائه وتلامذته، وها هي الصالة تحتفي اليوم بمعرض استعادي له يضم مجموعة من مقتنيات السيدة شكران.

وفي المجموعة تعبير صادق عن المفاصل الرئيسية في تجربته التشكيلية، وهي ليست معروضة للبيع، بل فقط لإحياء الذكرى الرابعة والثمانين لميلاد فاتح المدرس.

عوالم يمتزج فيها الموضوعي بالحسي في توليف حي له إيقاعاته الداخلية الخاصة النابعة من ذات الفنان الشاعرة والحساسة لأبعد الحدود، عوالم تحكي قصة الجدل بين الفرد والمحيط، وتحمل طاقة تعبيرية كبيرة قادرة على تفجير الكثير من المعاني والأسئلة حول هذه العلاقة الشائكة والقلقة الممتدة ما بين: «قسوة الواقع وهشاشة الفرد».

تكوينات لا تتوقف عند الشكل الظاهري للمرئيات، بل تحاول الغوص في أعماقها وتحويلها إلى إشارات ورموز تبدو للوهلة الأولى وكأنها تجريدات صامتة، لكنك ما إن تطيل النظر إليها حتى تبوح لك بالكثير من الكلام حول القلق والعزلة والحزن وأشياء أخرى ربما أكثر قسوة.

تتموضع التكوينات على خلفية تشكّل المساحة الكلية للوحة وتمثّل عمق المشهد، خلفية هي دائماً وحيدة اللون ونائية، ربما تكون الأرض الطيبة أو أشلاء مدينة أو حزن غاف أو حلم يتراءى من بعيد، ثم تأتي التكوينات.

وهي أشكال محوّرة اكتفت بمعانيها الباطنية، تأتينا المرأة مثلاً وقد تحوّلت إلى ما يشبه الدمى، تارة تعبّر عن أحزان مدينة، وأخرى عن عصاب مجتمع، وثالثة عن شهوة حارقة.

وحين يعود المدرس إلى تراث المنطقة كي يستنطق خفاياه ويستعير بعضاً من رموزه، فإن أكثر ما يستهويه رمزا الصليب والثور، وحين يطل الصليب من لوحته يزيد المشهد عذاباً وقلقاً، أما الثور فهو الرمز الذي يشير إلى الابن المدلل والحبيب للإلهة عشتار الذي انتزع منها العرش عنوة، وراح يتبختر على الأرض فارضاً استبداده وذكورته الفجة.

حين يحل اللون بين أصابع المدرس يتحول إلى حالة أو مناخ أو فلنقل إلى طقس متكامل، الأزرق يوحي بالانكسار والحزن بكل تدرجاته، والأحمر يضج بالحياة والرغبة، والأخضر يشع أملاً بكل المعاني، وهو حين يكسو خلفية لوحاته بلون وحيد، إنما يهيئ المتأمل إلى الولوج في الطقس الذي اختاره لبدء الرواية.