يؤرخ أكثر من باحث إلى ان الشعر العربي الفصيح في الإمارات بدأ بسنوات قليلة قبل بداية القرن العشرين في قصائد سالم بن علي العويس الذي شكل صوتا متفردا في ذلك الوقت حيث تواصلت نصوصه مع القضايا العربية مسجلا حالة مطلوبة من الحضور والتفاعل مع التجربة الشعرية العربية، ثم توسعت التجربة مع جماعة شعراء الحيرة.

حيث انحصر تفاعلهم في تناول المضامين والهواجس التي تجيش في نفس الإنسان العربي، بينما ظل شكل القصيدة بلا تجديد ومحافظا على الأنموذج التقليدي في القصيدة العمودية.

هذا التفاعل الإماراتي المبكر مع التجديد الشعري تواصل في مراحل الستينات مع تجارب أحمد المدني العائد لتوه من دراسته في العراق حيث دعوات التجديد كانت لا تزال في أوجها مع تجارب نازك الملائكة والسياب والبياتي التي قدمت قصيدة التفعيلة بشكل ناضج.

وبسرعة بدأ عدد من شعراء الإمارات بالتماهي مع الروح الجديدة حيث ظهرت نصوص حبيب الصايغ وسلطان خليفة الحبتور فيما بدا ان الإمارات، كدولة طالعة بسرعة في الفضاء العربي، استطاعت ان تواكب التطور والتجديد في الشعر العربي خاصة في فترة الثمانينات حيث بدأت تنتشر قصيدة النثر.

وما ان وصلنا إلى نهاية التسعينات حتى كانت الأصوات الشعرية الإماراتية في طليعة الكوكبة التي أنتجت نصوص التجديد في الشعر العربي.وكذلك الحال في بعض دول الخليج وتحديدا البحرين وعمان.

هذا الحضور المميز للأصوات الإماراتية على خارطة التجديد الشعري بدأ بالأفول تدريجيا منذ حوالي خمس سنوات بينما تواصلت في عمان والبحرين إلى درجة ان شاعر قصيدة النثر قاسم حداد يفوز بجائزة العويس.

وفي عمان لا تزال تتصاعد تجربة سيف الرحبي وربما يتوج هو الآخر بالفوز بجائزة العويس،بينما التجارب الإماراتية الموازية لهذا النهج الشعري أصبحت محاصرة وبعضها منبوذ ومتهم دائما، والمتتبع لأسماء المشاركين في الأمسيات الشعرية التي أقيمت في الإمارات خلال السنوات الخمس الماضية لن يجد سوى أسماء ثلاثة أو أربعة شعراء هي التي تتكرر داخليا وخارجيا..

كما ان بعض الأصوات (المعتدلة) مثل عارف الخاجة وكريم معتوق اختفت هي الأخرى في ظاهرة غريبة نتمنى ان يتم الالتفات إليها بعناية ووضع خطة لإعادة الاعتبار والالتفات الى هذه الأصوات الكثيرة التي بدأت تذبل وتنسى لولا ان يقوم بعضهم بين فترة وأخرى بإصدار مجموعة أو نشر قصيدة بعد صمت سنوات.

هذه الكوكبة المطمورة من الشعراء هي الرصيد المهمل حقا في الحياة الثقافية في الإمارات، وإذا كانت بعض المؤسسات الثقافية المحلية تجد حرجا في التعامل مع تيارات التجديد وتفضل الإبقاء على التقليد فان وزارة الثقافة يجب ان تكون الحاضنة والأم لكل التيارات الأدبية في الإمارات .

وان تتيح لها الفرصة للمشاركة في الحدث الثقافي وعدم الانحياز إلى تيار بعينه أو السماح لقناعات وآراء المسؤولين عن الفعاليات الثقافية باختيار ما يتوافق مع قناعاتهم وإقصاء البقية.

akhozam@yahoo.com