وجه الشاعر السوري أدونيس (علي أحمد سعيد) انتقادات قاسية للحالة الفكرية العربية مؤكدا أن العرب يعيشون حالة فكرية تتسم بالركود الثقافي.
وأكد على أنه لا يمكن القول ان حياتنا الثقافية العربية يسودها أي حالة من حالات الفكر. وأشار الى أن ما نحياه على الصعيد الواقع ويطلق عليه فكر إنما هو نوع من أنواع تداول المعلومات يقوم على استعادة المعلوم وتفسيره. جاء ذلك في الصالون الأدبي الذي نظمته جمعية خريجي هارفارد مساء أمس الأول وحضره عدد من أعضاء الجمعية.
وعلى مدى ساعتين جال أدونيس مع الحاضرين على العديد من قضايا عالمنا العربي والإسلامي والتي باتت تشكل معالم أزمة في علاقتنا مع الآخر.
وفي سياق تشخيصه للأزمة الثقافية العربية أشار الى أن أحد عيوبها أنها ثقافة قائمة على أجوبة كاملة ونهائية، وهو ما لا يوفر الفرصة للإنسان لكي يضيف اليها الكثير وإنما يقرأها فقط ويعيد تفسيرها. وأشار الى أن الأمر على خلاف ذلك في الغرب حيث أن الوجود مجال للاكتشاف والبحث والمعرفة.
فيما أن مشكلة الوجود محلولة في المجال الفكري العربي والإسلامي. وضرب أدونيس مثالا للتدليل على ذلك من واقعنا المعاصر بالنفط. وأشار الى أنه فيما أن هذه المادة تعد عنصر استهلاك لدينا نحن العرب فإنها في الغرب عنصر معرفي.
وفيما بدا ردا على مداخلة أحد الحاضرين بشأن الإشارة الى الإنجازات التي حققتها الثقافة العربية الإسلامية في العصور الأولى وأنتجت حضارة عربية إسلامية مزدهرة تساءل أدونيس أين نحن من عرب بغداد القدامي.
وأوضح ادونيس أنه مما يعكس جانبا من أزمة ثقافتنا العربية أن رموزنا الفكرية القديمة إنما تم اكتشافها على أيدى الغرب، ضاربا الأمثلة على ذلك بالاحتفاء بابن خلدون وابن رشد وغيرهما من المفكرين الإسلاميين الذين كان لهم إسهاماتهم الفكرية المتنوعة.
وأشار أدونيس في مفارقة أن هؤلاء وفي غالب الأحوال عانوا من الإضطهاد وفي أغلب الأحوال حرقت كتبهم حتى أن أحدهم لم يصلنا من فكره سوى إشارات وردت في سياق الرد على ما كتبه!
وفي تشخيصه لأسباب الأزمة التي تحياها الثقافة العربية ومحاولة البعض نسبتها الى الدين دحض أدونيس هذا الرأي مشيرا الى أن جانبا من الأزمة في هذا الخصوص إنما يتعلق بقراءة الدين وتأويله على حد قوله، وليس الدين في ذاته. وهنا عرض أدونيس للعديد من الأمثلة التي تشكل ما يراه مشكلة في قراءة النص الديني الإسلامي.
وفيما بدا طرحا لرؤية جديدة بشأن التعامل مع النص الديني أكد أدونيس على ضرورة الاستفادة من قضية الناسخ والمنسوخ في القرآن، والتي تعني، حسب طرحه، مواكبة التطور والتغير الإنساني. وأشار أدونيس الى أن ذلك يعني ضرورة التعامل مع العصر برؤى جديدة تعكس قراءة سليمة للنص الديني.
وفي مداخلة له تعقيبا على هذا الجانب أشار عبد الغفار حسين الى ضرورة العمل على توسيع معارفنا وإدراكاتنا بما لا يجعل من الدين، حسبما يتصور البعض، من معقيات التطور الحضاري.
وردا على ما أشار اليه أحد الحاضرين من أن المشكلة إنما تتعلق بالأنظمة الحاكمة في العالم العربي وأنه يعود اليها القدر الأكبر من الأزمة متعددة الاوجه التي نحياها أشار أدونيس الى صعوبة تفسير الأزمة بناء على هذا العامل وحده مؤكدا على تعدد .
وتعقد الأسباب التي تفسر حالتنا. وفي محاولة للتفسير أشار أدونيس الى غياب مفهوم حرية الفرد في المجتمع العربي الأمر الذي يضع قيودا لا حصر لها على عملية التفكير والابداع.
وأضاف أدونيس أن ذلك يجعلنا نعيش عالة على المجتمع الغربي مضيفا «نحن نعيش بعدوى غربية» متسائلا عن طبيعة وشكل المجتمع العربي اذا خلا من التأثيرات الغربية؟. ودعا أدونيس في ختام الصالون الى اعادة النظر في الكثير من القضايا وعلى رأسها قضية علاقتنا مع الآخر.
يشار الى أن جمعية خريجي هارفارد والتي تأسست 2004 تعتزم تنظيم صالونها الفكري والأدبي شهريا. وتضم الجمعية التي تم إشهارها في دبي 25 عضوا ويرأسها الدكتور حبيب الملا.
مصطفى عبد الرازق
