لم يكن رحيل مؤنس الرزاز «1951 ـ 2002» الروائي الأردني المعروف الذي تمر أيام الذكرى الرابعة لرحيله، أمراً عادياً وبسيطاً، ليس لأن الموت قادر على استثناء أحد، بل لأن رحيل هذا الرجل، كان نقطة النهاية لمشروع روائي عربي على درجة كبيرة من الأهمية والخصوصية.
حيث إنه وباعتراف غالبية النقاد الذين تعرضوا لأعماله العديدة، انتقل بالنص الروائي إلى مكان جديد، وأسس لأرضية خصبة لرواية أردنية وعربية معاصرة.
وتنتمي إلى صميم الواقع العربي بكل تشابكاته ومحنه السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي خبرها جيدا وعايشها في بيت والده منيف الرزاز أحد أعمدة البعث العربي يوم كان هذا البعث حلماً شعبياً عريضاً، أو بمعنى آخر في الزمن الذي كان فيه للعرب أحلامهم التي كانت الاستيقاظة أسرع من تحقيق شيء منها.
أو على الأقل تذكرها، في ذلك البيت عايش مؤنس الأحلام وموتها، ذلك المد القومي الذي كان يشبه الطوفان في لحظة ما ثم انطفاء الجذوة وموتها، وربما كان للأمر علاقة مباشرة في المناخ الحزين والأقرب إلى الكآبة الذي عاشه هذا المبدع وسيطر عليه.
ومن هنا فإن تذكر هذا الرجل والمبدع الجميل،هو استدعاء لمرحلة تاريخية مهمة ومحورية في تاريخنا المعاصر، ليس لأن مؤنس كان منظراً فيها، أو مؤرخا لها، بل لأنه عايش خيبتها وأدرك مبكرا السوء الذي يعتريها وينخر في عظامها، لاسيما بعد أن تم اغتيال والده على يد الرفاق الذين صنعهم، فاستوى لديه القاتل بالقتيل.
وكانت روايته الشهيرة «يوميات كاتم صوت» ومن ثم تلك الرحلة العبثية الباحثة عن شيء غير موجود في متاهات العواصم العربية التي عاش في غالبيتها أو على الأقل في تلك العواصم المركزية «القاهرة، دمشق، بيروت، بغداد».
كان ارتحالاً في الشكل والمضمون وكان بحثا مضنيا عن الذات التي أرهقها الشتات والفواجع، لعل كل ذلك كان الأرضية التي خرج منها روائي كتب «ناطحات السحاب في متاهة الأعراب» التي اعتبرت من بين أهم مئة رواية عربية في القرن العشرين.
لطالما كان مؤنس الرزاز لا يؤمن بأن الموهبة وحدها لا يمكن ان تخلق روائياً جيداً، الموهبة الجيدة يمكنها أن تعطينا رواية واحدة جيدة، أما المشروع الروائي فهو قصة أخرى، شرطها الأساسي الحياة الغنية العميقة، ألا يكون المبدع بأي شكل من الأشكال معزولاً عن الحياة والناس وحركة الشارع.
حازم سليمان