بهدوء المتأمل يطلعنا وليد قدورة على هواجس عالمه الصغير عبر 69 مقالا من خلال 239 صفحة من القطع الوسط؛ صادرة عن الانتشار العربي. مقالات متناثرة كما وُصفت؛ وهي متنوعة الأفكار؛ فيما يبدو عليها اختلاف الموضوعات؛ لكنه ببساطة يتوغل إلى عمق الإنسان المتلقي بانسيابية وسلاسة؛
عبر لغة مشحونة بالغضب؛ إنما خالية من الصراخ؛حيث يعبر عن انفعالاته ويسجل انطباعاته متلمسا شغف الحقيقة، كمن يسير إلى هدف ماثل أمام حواسه. قد تكون تلك حسنة الاتكاء الصباحي على ضوء نهار كاسر الموج في أبو ظبي، وزرقة البحر اللازوردية؛ إذ يعترف قدورة بنفسه؛ بفضل هذه الأجواء عليه.
يتوقف المرء في عالم قدورة الصغير عند كل المحطات؛ إلا أن تصدير الكتاب يأتي بقلم صقر أبو فخر حيث يعرب عن دهشته لبعض جوانب الكتاب، وهي تلك التفصيلات الحانية من الرقة والتسامح والغفران ونكران آثام الآخرين؛ معللا ذلك؛ بـ (الخيبات المتمادية، والمرارات المتراكمة - التي قد تكون - ألجأت وليد قدورة إلى هذا القدر من الهدوء والتحنان؛ فما عاد يرغب أحيانا في أي أمر خطير إلا »لقمة العيش وراحة البال« وحرية بلاده).
عند محطة الحب يعلن قدورة في »أكثر من وجه« أن الحب أنواع، والنساء أنواع والرجال أنواع؛ لكن »الكتابة نوعان: واحدة مغموسة بالتلقائية.. والصدق والمعاناة.. ورعشة الحقيقة وثانية تجلب الخبز إلى الدار«.
و »على ضفة القلب«.. هناك محطة أخرى يقف قدورة مكتشفا حجم الكون الصغير ».. حين يصبح قلبك خصمك، وأنفاسك عدوك، ويصبح المتهم هو من تحبه ويحبك، وحين تشك في خيارك ومهنتك،. ص.32« ثم تنهمر الأسئلة مشبوبة بشجن عميم وغضب كظيم؛ فيبيح فعل أي شيء، وبالتعبير اللامحدود؛ بعيدا عن الصراخ؛ ذلك حين يصبح الأمر.. أي أمر فعلاً واقعاً.
وفي محطة أشيائه الصغيرة؛ تلك الأشياء التي يشاركه إياها كل مبدع.. إنها أشياؤنا الصغيرة التي ندسها هنا وهناك، ثم يأتي اليوم الذي نحتار فيه ما نفعل بها. وأشياؤنا الصغيرة هي التعبير الذي نستخدمه عادة لوصف ممتلكاتنا على مدى عمر كامل«.
أما الكتابة عن الأم؛ فتلك محطة فطرية بحجم الكون؛ الأم (التي لا يجدر أن نكتب عنها في مناسبة أو ليوم، بل هي المرأة التي تسري مشاعر حبها في عروقنا كل ثانية، والتي يتفوق حبها على أي حب إنساني آخر، ونستمع حين يكون التعبير نحوها عفويا فطريا وساذجا، كما لحظة الولادة الأولى.
واللقطة الأولى للضوء من عيوننا؛ هي التي نتباهى بضعفنا أمامها، وبالعودة إلى طفولتنا في كنفها، وبسلوكنا كما نحن؛ حين نوجد في حضرتها، وبشقاوتنا وشغبنا وبراءتنا حين نستفرد بها لن تكون الكتابة متأخرة عن الأم في أي زمان وفي أي مكان) (أيها الرجال ارأفوا بهن؛ فهن نقطة البداية والخيط الموصل إلى الحياة، وهن من يحفظ سر البداية.
ويطلق سيرة المجتمع ص.52). وحين تصمت هواجس المثقف الفلسطيني تتجدد هواجس قدورة مفردة، ويختمها بما يشبه البيان (إننا أيها المثقفون الأشقاء ما زلنا نؤمن بعمق ان الثقافة هي الجدار الأخير الباقي لأمتنا، والخيط الذهبي الذي يجمعنا من المحيط إلى الخليج، وما زال رهاننا عليكم باقيا حتى الآن فلا تخذلوا أنفسكم، ولا تخونوا مهماتكم.
أيها المثقفون العرب ماذا بقي لنقول إنكم مدعوون للدفاع عن حروفكم، وألسنتكم وأطراف أصابعكم مع العلم ان لا تبرير يجدي ولا تفسير ينقذكم من هذا الصمت فماذا تنتظرون؟ ص122) الصمت شعار المرحلة وسيدها والتفرج أصبح العادة الوحيدة المألوفة في الحياة اليومية.ص.124).
لا يبرح وليد قدورة عالمه الصغير المتمثل في فلسطين ولبنان والإمارات حتى تجده فجأة في كوبا ثم يعود ليلتقي راشيل كوري، المتطوعة الأمريكية للدفاع عن حق الفلسطينيين، والتي راحت ضحية الغطرسة الإسرائيلية، ثم المكافحة البورمية آنج سان سوكي. هكذا هي مقالات قدورة؛ تنويعات هادئة؛ لعالم صاخب بالصراخ، ضاج بالمظالم.
فاطمة محمد الهديدي