يعتبر الباحث والناقد البحريني فهد حسين من الناشطين المهتمين في مجال النقد الأدبي في البحرين خاصة، والخليج بشكل عام. له كتاب«مسافات الدخول» متتبع فيه صورة المرأة في روايات فوزية شويش السالم، لكنه اختار «المكان» في الإبداع الأدبي موضوعاً لرسالة الماجستير.
وذلك من خلال ثلاث روايات لثلاثة كتاب بحرينيين. رواية «الجذوة» لمحمد عبد الملك، و«الحصار» لفوزية رشيد، و«أغنية الماء والنار» لعبدالله خليفة.
قسم بحثه إلى ثلاثة أقسام..الأول لمفهوم الرواية، والقسم الثاني للمكان وأنواعه، والثالث خصصه للرواية البحرينية. جاء الموضوع، وهو «المكان» في بابين.. الأول لأمكنة الإقامة.. المفتوحة منها، والمؤقتة، وأمكنة السير، ووسائل التنقل، والمواصلات. والباب الثاني، للأمكنة المغلقة الاختياري منها.. «كالبيوت» والإجباري «كالسجون».
يرى الباحث البحريني أن «المكان» في الفن الروائي، هو من أهم الوسائط الرامية إلى إضاءة العالم الذي تتناوله الرواية، من خلال السرد، والحوار، والشخصيات، والأزمنة وغيرها.
وأكد أن الكتاب اهتموا «بالمكانية» في العمل الفني، وباتت أعمالهم وكتاباتهم تعالج وتطرح قضايا ذات علاقة مكانية بحسب الرؤية التي يراها كل منهم.
وان ثنائية المكان المتضادة أوالمتآلفة، تبدأ وتتدرج ثم تصل إلى الحد الفاصل بين المكانين المتضادين، أو إلى حد التوافق بين المكانين المتآلفين. والتوغل في عمق المكان يكون برغبة في إظهار العنصر «المكاني» بكل أبعاده المحيطة به، ومن يكون فيه ويتأثر به، ويؤثر فيه.
وتتنوع ثنائية المكان، بين الفضاء اللفظي أو الطباعي الموجود خلال اللغة، أو الفضاء الواقعي، وهو ما يأخذ في طياته الفضاء الجغرافي الذي يشغل حيزا مكانيا في العمل السردي، ويتولد عن طريق السرد نفسه. أما الفضاء الدلالي فهو الذي يبرز عن طريق الأحداث، ومشاعر الشخصيات.
ويعطي الشمولية في مجمل الأمكنة الموجودة داخل البناء السردي، سواء أكانت أمكنة مادية مغلقة كالسجن والغرف الضيقة، أم أمكنة مفتوحة كحياة المجتمع، ومنها (السوق والدكان والمقهى والمصنع ومكان العمل) لذلك جاءت النصوص الروائية متنوعة الطرح المكاني. فالمصنع ومكان العمل مكانان يزخران بالجدل والنقاش كما هو الحال في المقهى، أو مكان السوق.
فالجدل والنقاش يتم بين العمال بعضهم مع بعض على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وثقافاتهم، أو بينهم وبين أرباب العمل. وهناك مواقع وأمكنة أخرى مثل موقع بناء الجسر الذي يصل بين جزيرتين، (المنامة والمحرق).
كما أكد الباحث، أنه من خلال هذه الأمكنة بوصفها مواقع عمل، برزت المعرفة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لدى الكتاب تجاه أرباب العمل الذين يمارسون رغبة الاستحواذ على الكل.
وذلك من خلال محاولة النصوص السردية التي ظهرت في روايتي (الجذوة والحصار) بتسليط الضوء على واقع العمال سواء في المصنع أو في مواقع العمل كالجسر الذي كان يشيد، وسفن صيد الأسماك التي يمتلكها احد التجار في تلك الفترة الزمنية.
وهي فترة الأربعينات حتى السبعينات من القرن العشرين، وقد جاء نقل الواقع بخلق عالم متخيل جديد على أنقاض الواقع المعيش.
لغة النص السردي مباشرة سعى أصحابها إلى فضح مكونات «المكان». وحاولت البنية الدلالية لهذا «المكان» أن تنتظم في إيجاد المعنى المرتبط به، من دون تعقيد لفظي أو لغوي.
لذلك جاءت اللغة بوصفها رمزا أسلوبيا تكون الأنا والآخر مما يؤكد تأمل هذه النصوص في فعل «المكان» وليس المكان نفسه، لأنها وقفت تناضل وتسجل واقع الصراع الذي عرته وكشفت ما يحيك به من أوهام.
ويخلص الباحث إلى أن الأمكنة حملت عدة صفات فهناك «مكان» حمل المعاناة والهموم واحتضن الذكرى كما في مقهى الجذوة، وهناك أمكنة حملت موجات التحدي والمواجهة مثل المصنع في رواية «الجذوة»، وموقع الجسر في رواية «الحصار» فضلا عن أمكنة الفرح والغناء التي تمثلت في مقاهي الأسواق في رواية «أغنية الماء والنار».
تؤكد الدراسة أن الكتاب استطاعوا أن يحولوا متخيلهم السردي إلى واقع معيش، (فكل من يقرأ هذه النصوص يتجه بفكره ووجدانه، نحو بعض المواقع، مثل الأسواق ودور السينما وبعض المقاهي ص125.) .
كما تناولت النصوص أمكنة الانتقال ووسائله المألوفة في عصرنا، فجعلت الاتصال بين المكان الذي رسمه الكاتب، والشخصية المنتسبة إليه اتصالا وثيقا، واتسمت العلاقة بينهما بحافز الرغبة التي تحققت بالحب والألفة في روايتي «الحصار» و«أغنية الماء والنار» ، وبرغبة الهروب والابتعاد في رواية «الجذوة».
مؤكداً أن الصورة الذهنية، التي تعني نظرة الكاتب إلى الواقع والمجتمع بحكم المخزون المعرفي لديه، والصورة المتخيلة التي تشكل مدلولات النصوص الروائية.
ومن خلال المفردات اللغوية، والصور الفنية ساهمتا في خلق دلالات هذه الأمكنة، وليست المرجعيات الحية وحدها. فالكاتب يمارس سلطته المعرفية ليقدم مادته الروائية إلى المتلقي من دون أن ينقل الواقع المعيش بكل تفاصيله وحقيقته..
تؤكد النتيجة بأن «المكان» متنوع الأهمية في البناء الروائي سواء أكان مكانا اختياريا أم إجباريا، ودائما أم مؤقتا، مثل المقهى في رواية «الجذوة» الذي مثل المعاناة والهموم واحتضان الذكرى، والسوق وما حوته من مقاه ومحال للتبضع، والمصنع وموقع العمل في الجسر اللذين حملا علامات التحدي والمواجهة.
يرى الباحث فهد حسين أن المحاولات التي قدمها كتاب الروايات الثلاث، أوضحت تنوع «المكان» وعلاقته بالشخصيات التي عاشت فيه، أو تنقلت من خلاله، إلا أن بعض الأمكنة جاءت مجرد خلفية تتحرك فيها الشخصيات، من دون الاهتمام بجزئيات هذا «المكان» أو وصفه.
موضحا، أن الكتاب لم يهتموا بالمظاهر السطحية، بل اهتموا بالدخول في «المكان» الذي يقدم الدلالات النفسية للشخصيات، وعلاقة هذا «المكان» بحالات المجتمع المختلفة، مما أدى إلى إظهار ميزة الأصالة والخصوصية «للمكان».
وهو ما جعل الروايات الثلاث تغرق في المحلية، لكنه وجد في ذلك اتفاقاً يكشف صياغة الانتماء إلى هذا «المكان» وارتباط ذلك بالأرض والتراب، والعلاقات الإنسانية المتجذرة في عمق «المكان» المتطلعة إلى نسف المفاهيم.
وانزياحها، حتى يقف المتلقي.. ليس على المكان العام، وهو «البحرين» بل على بقعة مكانية معينة. بذلك يكون فهد حسين اسما ضروريا تحتاجه ساحة النقد الخليجية..
فاطمة محمد الهديدي