تنفرد تجربة الفنانة التشكيلية شلبية إبراهيم، بجملة من الخصائص والمقومات، تجعل منها علامة بارزة في التشكيل السوري المعاصر بعامة، والتجارب الفنية التشكيلية الأنثوية العربية بخاصة.
فهي نسيج متوافق ومنسجم ولافت من صدق وبساطة الموضوع، وبهاء وعفوية المعالجة. وهذه القيم الفنية والتعبيرية، حافظت عليها في أعمالها كافة، على اختلاف التقانات التي اشتغلت عليها، والمراحل التي مرت بها هذه التجربة.
تعلمت الفنانة شلبية الفن بنفسها، ومارسته بكثير من الصدق والتلقائية والحرية والبراءة، مكتفية بتصعيد معارضها وخبراتها، عن طريق الانكباب المجتهد والدؤوب، على إنتاج اللوحة وعرضها، وفتح حوار دائم مع زوجها الفنان التشكيلي المعروف «نذير نبعة» الذي يمتلك شخصية فنية مغايرة لشخصيتها.
فهو أكاديمي متمرس، يمعن بدراسة منجزه الابداعي البصري وعناصره، ويدرك تماماً كل خطوة يخطوها في عالم الفن الرحب، ولديه شهية مفتوحة على البحث والتجريب، قادته من أقصى الواقعية إلى أقصى التجريدية.
أما تجربة شلبية، فقد حافظت على مقوماتها الأساسية التي نهضت عليها، وتكونت من خلالها، لعل أبرزها وأهمها، النيل وحكاياه وأساطيره، وعالم الريف المصري البسيط، وبراءة وصدق التعبير، عن هذه البيئة ومفرداتها.
ولدت شلبية إبراهيم عام 1944 في قرية (جزي) التابعة لمركز (منوف) بجمهورية مصر العربية. بدأت رحلتها الأولى مع الفن التشكيلي مطالع ستينات القرن الماضي بتأثير عدة دوافع ومحرضات أهمها وأبرزها، الموهبة الحقيقية والأصيلة التي امتلكتها.
والتي سرعان ما أخذت طريقها إلى التحقيق منذ تعرفها إلى زوجها الفنان نذير نبعة الذي كان يدرس التصوير في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، حيث حرضها انكبابه على ممارسة الرسم والتصوير على فعل ذلك.
بعد أن تحركت في داخلها كوامن هذه الموهبة، وكانت البداية مع الألوان المائية، ثم مع الألوان الزيتية، ثم مع الرسم على الحرير (الباتيك) إضافة إلى عدة تجارب بقلم الحبر.
على اختلاف هذه التقانات، ظلت تطل من أعمالها، شخصية فنية واضحة، متميزة الملامح، متباينة السوية، وذلك وفقاً لنوع التقنية ومدى حبها لها، والخبرة التي اكتسبتها في التعامل معها.
أما الموضوعات التي عالجتها فلم تخرج عن إطار المرأة، والعرس، والأسطورة، والطبيعة الصامتة، والطيور، والفراشات، والأحصنة، والاراغوز، والطفولة... وغيرها.
وهي موضوعات حملتها من تكونها الأول: من طفولتها في قريتها، وأساطير النيل وحكاياه، وفيما بعد، من البيئات الجديدة التي عاشت فيها (دير الزور، دمشق، باريس) إضافة إلى الثقافة البصرية التي جمعتها من خلال اطلاعها على المتاحف والمعارض العديدة.
حافظت شلبية على غالبية المفردات والعناصر والأشكال التي بدأت بها تجربتها الفنية كالمرأة، و الرجل، والطفل، والخيول، والنباتات، والزهور، والفواكه، و أباريق الفخار، والقناديل، والمزمار، والفراشات، والطيور .. إلخ .
وهي موتيفات لصيقة بالبيئة الشعبية العربية التي ترسمها شلبية بكثير من العفوية والبساطة والوضوح والخيال الخصب المحلق في عوالم الحلم والأسطورة، معتمدة على الخطوط (الرسم) كوسيلة تعبير رئيسية، ثم على الألوان التي تطورت واتسع استعمالها لها فيما بعد.
بحيث تواكبت الوسيلتان في لوحتها، أو بتعبير أدق، في بعض لوحاتها، ذلك لأن الرسم ظل المعني بمهمة بناء لوحتها تشكيلاً وتعبيراً، على اختلاف المراحل التي مرت بها هذه اللوحة.
والملاحظ وجود قواسم مشتركة عديدة بين فن شلبية والرسوم الشعبية، سواء من حيث المبالغات والاختصارات، أو من حيث التقانة اللونية والخطية، إضافة إلى العفوية والتلقائية والخيال.
وهي أبرز مقومات وخصائص لوحتها التي أكد الروائي العربي الراحل «عبدالرحمن منيف» انه حين التقاها لأول مرة، ارتد إلى طفولة منسية، وتيقظت في داخله مشاعر خالها قد انتهت لفرط ما مر عليها الزمن!!
د. محمود شاهين