استطاع نادي دبي للسيدات من تشكيل أول فريق نسائي لكرة القدم في الدولة، حيث كانت المرأة في الإمارات بعيدة تماماً عن المستطيل الأخضر لفترة طويلة من الزمن حتى تمكنت مؤخراً من اقتحام أجوائها بكل إصرار وتصميم وسط هتافات تدين ممارساتها بحجة المحافظة على العادات والتقاليد التي تفرض على المرأة قيوداً من شأنها إبعاد الجنس اللطيف عن ممارسة أي نشاط رياضي.
ولكن بفضل التصميم والمثابرة استطاعت الفتاة الإماراتية من التواجد وبقوة داخل الملاعب لتعلن أنها قادمة لتعزيز مكانتها في المجتمع ولتثبت أن الرياضة ضمن قائمة أولوياتها وأنها تشارك الرجل في كل شيء فليست عاجزة عن تحقيق النصر في كل مباراة تخوضها ولديها الاستعداد التام لكي تؤدي واجبها، ولكي ترد على كل المشككين في قدراتها.
تعتبر [كرة القدم] من أكثر الرياضات شعبية في العالم وتستقطب كلا الجنسين ولكن في السابق آثرت المرأة الخليجية دور المشاهدة والمشجعة وسرعان ما بدأت الصحوة الرياضية تجتاح المنطقة لتعلن بداية عهد الرياضة النسائية ولعل الأندية النسائية لعبت الدور الأكبر في نشر الثقافة الرياضية بين السيدات وأهميتها في صقل الشخصية وتنمية المهارات بالإضافة إلى فائدتها الكبيرة على البدن وصحته.
وقد أسهم نادي دبي للسيدات في هذا المجال بفضل الرؤية المستقبلية والروح القيادية المتمثلة في رئيسة النادي سمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل المكتوم، التي أولت الرياضة النسائية الأهمية الكبرى وسعت بأن يكون النادي منارة رياضية ومؤسسة باستطاعتها تخريج فوج من اللاعبات المحترفات اللاتي سيسهمن في رفعة الرياضة النسائية وتتمكن من تمثيل الدولة في الخارج،
فقد تمكنت إدارة النادي من اختراق المحظور باسم العادات والتقاليد التي رسمها البعض لتقييد المرأة فقط وكبح طموحها، وقد رأينا الفتاة الإماراتية تعتلي المنصات في رياضات أخرى كالرماية والكاراتيه والفروسية لم تنتهك أعراف مجتمعها بل العكس أصبحت نموذجاً مشرفاً للفتاة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، فلماذا هي بعيدة عن كرة القدم بالذات؟
تغيير النظرة
تقول رانيا عامر «المشرفة على تدريب فريق كرة القدم في النادي»: يجب علينا السعي في تغيير هذه النظرة السلبية للاعبة كرة القدم، وهذا ما نريد تحقيقه، فلا يمكن أن نعمم على كل فتاة تركل الكرة بأنها (مسترجلة)! نعم قد نرى نماذج شاذة ولكن يجب علينا التفريق وعدم التعميم، والدليل الفتيات اللاتي أدربهن في النادي فهن فتيات بكل ما للكلمة من معنى وما يجمعهن هو حب اللعبة التي عشقنها منذ الصغر فنحن كشعب عربي نستنشق كرة ونحب الكرة إلى أبعد الحدود، فلا يوجد فرق بين الرجل والمرأة في مجال الرياضة ونعتبر أننا كسبنا الرهان وبدأت الفتيات في الانضمام إلى الفريق بكامل إرادتهن وسط بيئة تتمتع بالخصوصية تحترم عاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة.
وصرحت «ريم عبدالله» المشرفة على تمارين اللياقة للاعبات الفريق أن الفتيات يواظبن على حضور حصص التدريبات لاكتساب اللياقة اللازمة وتضيف : «كنت معهن منذ البداية وقد استطعنا تخطي كل العقبات للوصول إلى الهدف المنشود وهو إثبات أن المرأة مبدعة في أي مجال وكرة القدم لم تكن للرجال فقط فهي مثل الرياضات الأخرى بل وأنا أرى أنها ملائمة تماما للمرأة للحصول على اللياقة اللازمة والمهارات العالية.
وقد اتفقنا مع إدارة النادي بتخصيص يومين في الأسبوع لتدريب اللاعبات وقد لاحظنا مدى الاهتمام والمتابعة من قبلهن والدليل على ذلك حضورهن في الوقت المحدد والانضباط وهذا ناتج عن حرصهن الدائم على تطوير الأداء ومستوى اللعب، فيجب على لاعبة كرة القدم التمتع باللياقة والمرونة المطلوبة مع قوة التحمل
حيث تمتد المباراة لـ 90 دقيقة من اللعب ويجب عليها التحمل والجلد في هذا الوقت كذلك يتم التركيز على التمارين الخاصة بالأرجل لأن قوة اللاعب في رجله كذلك لابد من تمارين تخفيف الوزن لأن بعض اللاعبات الجدد في الفريق يلزمهن تمارين خاصة تساهم في تخفيف الوزن لكسب المزيد من اللياقة والمرونة ولكي يكون المستوى متكافئ بالنسبة لهن كفريق.
نظرة سلبية
وبالسؤال عن نظرة المجتمع للاعبة كرة القدم تجيب «ريم»: النظرة ما زالت سلبية نوعاً ما وبكل أسف ولكن ما يجب علينا كأكاديميين أن نحسن من هذه الصورة فلا يجب التعميم على الكل وكرة القدم ليست نشاطاً رياضياً خاصاً بالرجال فالمرأة مبدعة في كل رياضة فلماذا تظل لاعبة كرة القدم أسيرة لسخط المجتمع وأفكاره التي يجب أن تتغير، لدينا لاعبات موهوبات ينتظرهن مستقبل رياضي واعد فلماذا نحرمهن من هذه الفرصة بحجة العادات والتقاليد؟
وتكمل : نحن بدأنا هذا المشوار وسنكمله في كل الأحوال ولن نرضى بإهدار المزيد من الطاقات والمواهب التي يجب أن نطورها ونحافظ عليها، فاللاعب يعتبر ثروة قومية وما يجب علينا كمدربين أن نصقل هذه المواهب بالشكل المطلوب وهذا ما نعمل لأجله، فلدينا أفكار ومشاريع عديدة أولها إقامة بطولات على مستوى عالٍ في كرة القدم لنساهم في نشر هذه الرياضة بين الفتيات وأن نستطيع المشاركة في البطولات الخارجية
فنحن نمتلك مواهب شابة يجب أن نساعدها في الوصول إلى هدفها المنشود، ونادي دبي للسيدات سيظل واحة لكل امرأة تجد نفسها قادرة على التألق وتمتلك موهبة حقيقية، وأود أن أقول للمجتمع إن لاعبة كرة القدم لا تنقصها الأنوثة ولم تتخلى عن الدور الذي خلقت لأجله إنما «العقل السليم في الجسم السليم» ولن تضر الكرة بأنوثة المرأة ولا بتكوينها إنما هي رياضة كأي رياضة أخرى ولم تكن حكراً على الرجال.
دور إيجابي للعائلة
«مريم عطا الله» إماراتية انضمت لفريق كرة القدم في النادي منذ نشأته عام 2004 ولا تزال العضو الأبرز في الفريق لما تملكه من موهبة وطاقة عالية، وكل من يشاهدها في الملعب يجزم بأنها لاعبة من الطراز الأول وتقول «بدأت منذ سنتين وما زلت أجد المتعة في كل مرة أركل فيها الكرة، فقد وقعت في غرام الساحرة المستديرة منذ الطفولة وما زلت أمارس الكرة في النادي فهو المتنفس الوحيد لي فلا يمكنني ممارسة اللعب في الأماكن المختلطة، ولم أعان من أية ضغوطات عائلية بل على العكس فقد تلقيت التشجيع اللازم من قبل والديّ وما زالا يقفان بجانبي، وأنا أرى أن الأهل يلعبون الدور الأكبر في شخصية الأبناء فنلاحظ أن بعض الأهالي يمنعون بناتهن عندما يحترفن أي نوع من الرياضات ويقولون إن الرياضة للولد فقط أما الفتاة فعليها أن تتزوج وتنجب الأبناء فقط دون أن يكون لها أي دور في مجتمعها وأنا هنا لا أعارض دور المرأة في تكوين الأسرة والزواج
ولكن أنا أرى أن الرياضة تساهم في صقل شخصية المرأة وتجعلها واثقة من نفسها ومن ذاتها فلا بد من إعطائها الفرصة لعمل شيء، وكرة القدم تحظى بشعبية طاغية وساحقة في الإمارات سواء على مستوى الرجال أو السيدات ولكن المجتمع لم يتقبل حتى الآن وجودها على الساحة الرياضية وفي الملاعب لا كلاعبة ولا كمشجعة والدليل على ذلك ما أثير من جدال حول تواجد الفتاة كمشجعة تدعم فريقها وتقف خلفه ففي نهائي كأس صاحب السمو رئيس الدولة استهجن الكثيرون وجود منصة خاصة للسيدات وقالوا إن الظاهرة خطيرة ويجب مكافحتها كأنها وباء ! ماذا سيحصل لو حضرت الفتاة للملعب للتشجيع وماذا سيحدث للكون لو لعبت الكرة ولو في بيئة مخصصة لها..
أنا أطالب المجتمع بتغيير هذه النظرة السلبية للاعبة كرة القدم فنحن لا نحتاج سوى التشجيع لكي نمضي في الطريق الذي اخترناه بكامل إرادتنا، (تصمت للحظة ثم تضيف): أنا أشكر إدارة نادي دبي للسيدات على ما تبذله من جهود لترتقي برياضة المرأة ولكن ما نريده بالفعل هو تشييد ملعب خاص لكرة القدم وفق المعايير المتعارف عليها لكي نتمكن من إقامة البطولات ولكي يكون دافعاً قوياً لكل من تريد لعب الكرة وسط أجواء خاصة».
من الكاراتيه إلى الكرة
أما (....) والتي امتنعت من ذكر اسمها مع أنها جزء كبير وأساسي في الفريق لا زالت تعاني من مسألة رفض المجتمع لاعبة الكرة وتقول: «كنت لاعبة في السابق ولكني لم أكمل المشوار بسبب الضغوط التي مارسها الأهل حيث أبعدوني عن الكرة وعن الرياضة التي اعشقها منذ الصغر، أنا اعتبر نفسي رياضية بالفطرة وأرى أنني استطيع اللعب بالكرة «بأيدي ورجلي ورأسي»...
تبتسم ثم تتابع: بدايتي كانت رياضة الكاراتيه ولكن أسرتي أرغمتني على الابتعاد عنها حيث يقولون إن الرياضة تبعد الفتاة عن طبيعتها وتشوه صورتها أمام الله والمجتمع وكنت أتساءل مرات عديدة هل الرياضة حرام؟ وأين هو النص الشرعي في تحريم الرياضة على المرأة. لا أعلم مع أنني فتاة ملتزمة ولكن ماذا أفعل إن كنت أتنفس الرياضة وأعيش لأجلها.
تأثير المجتمع
وتتابع حديثها: «دوري الآن اقتصر على تنظيم الفريق أي في إدارة الفريق.. فأنا أساعد المدربة في تنظيم اللاعبات وتهيئتهن لخوض المباريات والتدريب كما أنني أقوم بتقييم اللاعبات قبل وبعد المباراة وإنه دور كبير.. فاللاعبات يرين أن دوري وحضوري يعني الكثير لهن فأنا أقدم لهن الدعم المعنوي في المباريات وهذا الأمر ينعكس على أدائهن فأنا أحرص على حضور التدريب معهن وحصص اللياقة كلما تسنى لي الوقت ولكني أنهيت مشواري كلاعبة مبكراً نتيجة الضغوط التي تعرضت لها وفي النهاية حققت أمنيتي فلم أبتعد عن الرياضة حتى ولو اكتفيت بدور المنسقة والمساعدة فأنا أعيش أجواء البطولات والمنافسة مع زميلاتي ولن أقصر في يوم ما فسأدعم الفريق بكل قوة حتى يعي المجتمع بأهمية رياضة المرأة وأن الفتاة قادرة على تحقيق ما عجز عنه الرجال..
كما أؤكد على أهمية الدور الذي لعبته المدربة رانيا مع اللاعبات فاستطاعت بفضل أسلوبها الفريد في التدريب ونصائحها الدائمة إلى خلق فريق قادر على المنافسة وتقديم العروض الجيدة فنحن تجمعنا معها علاقة صداقة وود واحترام فهي صديقة لنا وليست بمدربة قدمت لتأدية واجبها فقط وهذا ما جعل العديد من الفتيات يقبلن على تعلم كرة القدم ولكن المشكلة الرئيسية هي تقصير وسائل الإعلام في تسليط الضوء على الرياضة النسائية فنحن بالكاد نقرأ خبراً من سطرين أو ثلاثة أسطر عن الرياضة النسائية
وهذا ما نسميه تحيزاً لرياضة الجنس الآخر فلو خصصت وسائل إعلامنا المقروءة والمرئية برامج تدعم الرياضة النسائية لكنا بألف خير، يجب أن تحظى المرأة بالدعم من قبل وسائل الإعلام لكي تستطيع توصيل آرائها وتجربتها للعديد من السيدات اللاتي بدورهن سيقبلن على لعب الكرة وتثقيف أولياء الأمور بضرورة الرياضة للمرأة».

