إن كنتم غير معنين بأقساط إيجار المنزل، أو السيارة، أو مدارس أولادكم، وبمعنى أدق إن كان في حسابكم المصرفي بضعة ملايين من الدولارات ولديكم الرغبة في إنفاقها واستثمارها في الوقت نفسه يمكنكم زيارة معرض الاساتذة الفني، الذي يحقق لكم فرصة الانفاق والاستثمار والدخول في نادي مقتني الأعمال الفنية النادرة، التي تحمل تواقيع أهم رموز الفن في العالم.
لكن هذا لايعني بالمطلق أن المفلسين، أو الذين يعيشون على مقربة من الافلاس ليس لهم الذهاب إلى هناك، بل عليهم ذلك لأن هذا المعرض بمحتوياته يمثل فرصة نادرة لرؤية مجموعة متنوعة من الاعمال الفنية التي يصعب رؤيتها، خاصة وأنها منتقاة من مجموعة متاحف وجهات فنية بين فرنسا، وأميركا، وألمانيا.
جولة عالمية
يخلق هذا المعرض الذي اختار دبي محطة له كجزء من جولته العالمية،الكثير من المشاعر المتناقضة، فالاقتراب من بيكاسو، وفان كوخ، ورودان، وبيكابيا، وسيزان، وأندي وارهول، ومن أعمال مجموعة من الاسماء التي قلبت مفاهيم الفن في العالم، وأسست لمناهج وتيارات ابداعية لا تزال تاثيراتها مستمرة حتى يومنا هذا، لا بد أن فيه قدراً من الإرباك.
وقدراً من الإحباط، الإرباك مصدره أن الحجم الكبير للمعلومات والانطباعات عن هؤلاء الفنانين يخرج من حيز المخيلة إلى أرض الواقع، وتشعر أن ليس في الأمر اسطورة، وأن كل هؤلاء كانوا بكل بساطة يرسمون، فقط يرسمون.
والإحباط ينبع من كون أن هذه الاعمال التي في المعرض لا تستمد قيمتها المادية الكبيرة من أهميتها الفنية لأنها تنتمي إلى مراحل مبكرة أو متأخرة في مسيرة هؤلاء الفنانين، بمعنى أنها ليست تلك الاعمال المفصلية التي أدت فيما بعد إلى ما أدت إليه في مسيرة الفن العالمي، القيمة هنا فقط تكمن في انتماء هذه الأعمال إلى هؤلاء الفنانين.
والى الشغف العالمي المبالغ فيه بكل ما تركه هؤلاء، حتى وإن كان حذاء أو قبعة، وجميعنا يذكر المبلغ الخيالي الذي بيعت فيه الخرقة التي كان يمسح فيها بيكاسو يديه بعد انتهائه من الرسم.
لا شك أن الوقوف أمام لوحة لفان كوخ يعيد خلق حالة التعاطف مع هذا الفنان الأكثر بؤسا في العالم والذي فعل كل ما فعله ومات قبل أن يُكمل السابعة والثلاثين من عمره، تاركاً قربه على المرسم لوحة حقل القمح والغربان، هذه اللوحة التي هزت وجدان العالم، الذي أدرك انه كان مجحفا بحق فنان أثار القلق في مسيرة الفن الحديث بفترة وجيزة.
أو كما قال المخرج العالمي أكيرو كيروساوا أعماله تمثل حقيقة مبتورة،أو كما حدث مع كيرك دوغلاس الذي اصيب هو وفريق عمله السينمائي بنوبة بكاء مريرة عندما زارو الغرفة التي يُعتقد أن كوخ عاش .
فيها بعضا من سنواته العصيبة. أعمال فرانسيس بيكابيا «1879ـ 1953» تعود إلى فترة متقدمة من تجربته الفنية خاصة إلى المرحلة التعبيرية التي قدم خلالها الكثير من الاعمال قبل أن يتجه إلى التكعيبية ومنها إلى التجريد الذي صار واحدا من رواده ورموزه المؤسسه.
غموض جذاب
من الأسماء المؤثرة في هذا العرض هو بول سيزان «1839ـ 1906» الذي يحيط به ذلك الغموض المقرون بالجاذبية على المستوى الشخصي والفني، لكنه دون أدنى شك كان واحدا من أجرأ فناني عصره في اكتشاف خطوطه وألوانه الخاصة.
ورغم أنه تعرض للكثير من الإخفاقات والهجوم العنيف من المؤسسات الفنية، إلا أن سيزان اليوم هو رائد المدرسة الانطباعية دون منازع، وعلى مقربة منه يوجد بعض الاعمال النحتية الصغيرة لبابلو بيكاسو «1881 ـ 1973» .
وهي بالمطلق لا تعبر عن حقيقة هذا الرجل الذي يعتبر واحدا من اشرس الحداثيين الذين قلبوا الطاولة في وجه كل الذين سبقوه، بل كان متهما من قبل الكثيرين بأنه خرب الفن وأساء إليه، لكن هذا الفنان أنجز مشروعه الصدامي.
والتجديدي وخلق لنفسه مكانة لا يقترب منها أحد بأي شكل من الأشكال.وليس بعيدا عنهما بعض من منحوتات رودان التي يبدو ان بعضها جاء على شكل مجسمات صغيرة خاصة منحوتة المفكر الشهيرة التي هي في الاساس بمقاييس الطول البشري الكامل بينما نراها هنا صغيرة ولا تتجاوز الثلاثين «سم»، والمهم أن اعمال هذا الفنان النحتية تمثل بالنسبة للنقاد رموزا فنية كلية تحقق فيها مالم يتحقق على يد غيره،.
وقد نال هذا الرجل من الشهرة العالمية مادفع البعض إلى وضع تجاربه في مرتبة واحدة مع السيمفونية الرعوية لبيتهوفن،الكوميديا الانسانية لبلزاك، ورواية «عوليس» لجيمس جويس، الشيخ والبحر لأرنست همنغواي.
رائد شعبي
أصغر فناني هذا المعرض أو الأقرب إلى زمننا الحالي هو اندي وارهول «1928ـ 1987» رائد الفن الشعبي «البوب آرت» وقد كان المهتمون على موعد سابق معه في متحف الشارقة للفنون الذي استضاف مجموعة كبيرة من أعماله المقتناة في متحف نيويورك للفن الحديث.
وإن كان بيكاسو أُتُهِم بأنه أساء للفن فإن وارهول كان معاديا للفن نفسه، ابتذله وخدش قدسيته، وكان واحدا من أشد الساخرين من مطحنة الرأسمالية التي شهد صعودها وانتشار منتجاتها، وخضوع الانسان لها.
ولذلك فإن أعمال هذا الفنان كانت تعبيراً حقيقياً عن العصر الراهن الذي راح يُحكم من قبل مجموعة من الشركات وقد قال ذات مرة «كي نتعلم البراعة لا بد من الإفلات من القيود المزيفة في تاريخنا الحديث، أن تكون ناجحاً في التجارة هو أمتع شيء في الفن».
وإن عدنا إلى إمكانية توفر الملايين في حساباتكم، ورغبتكم في اقتناء عمل لوحة لواحداً من هؤلاء الفنانين، لوضعها في غرفة الاستقبال أو فوق طاولة الطعام لإغاظة الضيوف، لابد من الانتباه جيدا.
والاعتماد على متخصصين في تقييم الاعمال الفنية، لأنه لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن لوحة بيعت بأكثر من مليون دولار ثم اكتشف بعد قليل أنها لوحة مزورة.
حازم سليمان