ثمة مظاهرة صغيرة تجوب المكان، سيشارك فيها قلم أو كتاب وممحاة كبيرة، على شكل مجسمات صغيرة في داخلها أطفال، وفي مقدمة التظاهرة نجد زعيمها، وهو طفل يحمل شعاراً يقول القراءة خير كنز.
ومن حولهم ثمة من يصرخ، ومن يبكي، ومن يركض، لكنهم جميعاً تحت سقف واحد، وعنوانه «معرض كتاب الطفل الأول في الشارقة»، الذي أنهى فعالياته مساء أول من أمس. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان، هل تكفي مظاهرة بريئة لن تحاصرها الأجهزة الأمنية ولا رجال قوى الأمن الداخلي أن تفعل شيئاً أمام هذا الوضع المأساوي لواقع كتاب الطفل العربي.
ربما لا... لكنها قد تشير لنا نحن الكبار، أن نسعى لفعل شيء ما، نحن الغارقون في متاهاتنا اليومية، والذي صار الكتاب بالنسبة لنا، في المكان المهمل تماماً وسط حياتنا اللاهثة. يحب الأطفال اللعب أكثر ويريدون لحياتهم أن تظل على ما هي عليه دون حاجة لفتح كتاب أو الجلوس لساعات خلف الطاولة، فثمة ما هو أجمل في الخارج وفي صندوق الألعاب، وفي الحدائق، وعلى شاشات التلفزة.
ليس في الأمر نقيصة لأن اللعب حق من حقوق الطفل التي ليس لأحد أن يساومه عليها، لكن كيف يمكننا الموازاة بين مساحة اللعب ومساحة التعلم، وكيف يمكن لهذا الطفل أن يمسك بطرفي الخيط، وأن لا يفلت أحدهما، وبمعنى أدق كيف له أن يحب القراءة.
والإحصاءات المتوفرة في كل مكان تؤكد أن أمة العربية هي من أضعف الأمم وأدناها مستوى في هذا المجال، وفي غيره أيضاً، وأزمة الكتاب والنشر باتت في الوقت الراهن من الأزمات الواقفة كحجر عثرة في وجه خطط التنمية، وفي وجه الجهود المبذولة في إصلاح العقلية العربية، إننا أمة لا تقرأ.
وبالتالي نحن أمة مفلسة حضارياً بالرغم من كل ما يمكن قوله عما فعله الأسلاف، وهو لا يعني أحد اليوم، لأن الواقع هو الأهم، والمستقبل هو الذي علينا الرهان عليه.
جميع الدراسات تؤكد أن عادة القراءة هي عادة تنزرع في وجدان الإنسان منذ الطفولة، وهي أمر متعلق بفتح شهية الطفل على حب المعرفة، وتزكية الفضول لديه في تحصيل المعلومة، في البيت في المدرسة.
والواقع أنه لا البيت ولا المدرسة تقوم حالياً في هذا الدور، خاصة وأن جولة عامة على مناهج التربية والتعليم في العالم العربي ستعطينا الحقيقة التي تؤكد أن مشكلة القراءة ليست إلى انحسار بل هي تزداد وخاصة عند شريحة الأطفال، في الوقت الذي تزدهر فيه عوالم نشر وطباعة الكتب في العالم .
وتحقق أرقاماً قياسية وخاصة في مجال كتب الأطفال، لأن كتاب الطفل العربي حدث ولا حرج، والتجربة تؤكد أن الأهل الذين يشترون لأولادهم الكتب، يتجهون مباشرة إلى الكتب الإنجليزية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها.
ومن هنا فإن معرض كتاب الطفل الأول في الشارقة، يمكننا اعتباره خطوة من الخطوات التي تبذل هنا وهناك، من أجل رمي حجرة في البحيرة الراكدة، ومحاولة القيام بمبادرة ما، قد تكون أولى، وتأسيسية لكنها على درجة كبيرة من الأهمية في الإشارة إلى المشكلة القائمة ومحاولة حلها.
وفي دعم دور النشر العربية المتخصصة في كتاب الطفل، أن تجد لنفسها مساحتها الخاصة، وألا تبقى عالقة على هوامش معارض الكتب العربية المعروفة.
هذا المعرض الذي تنظمه مراكز الأطفال والفتيات في الشارقة، والذي يحظى بدعم واضح من الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، استقطب في دورته الأولى 85 دار نشر ومؤسسة من داخل الدولة وخارجها ويحاول من خلال شكله ومضمونه أن يضع لبنة أولى في سياق تظاهرة ثقافية خاصة بالأطفال.
وفي هذا السياق يقول إحسان مصبح السويدي رئيس اللجنة العليا المنظمة إن هذا المعرض يأتي ضمن أعمال مهرجان الشارقة القرائي الأول، كدليل على أهمية الكتاب كناقل أمين للمعرفة.
والتأكيد على الدور الذي يلعبه الكتاب في النهضة والتقدم، ومن هنا كان العمل على جعل الكتاب في متناول يد جميع الأطفال وبأسعار زهيدة وميسرة إضافة لتشجيع دور النشر وعملية صناعة الكتاب بصورة عامة.
يضع مهرجان الشارقة الأول مجموعة من الأهداف والمسؤوليات من أبرزها الارتقاء بالمهارات القرائية لدى الأطفال، تنمية الشعور بأهمية القراءة، تفعيل دور الأسرة نحو التوظيف الأمثل للمكتبة المنزلية، تبادل الخبرة مع الناشرين المتخصصين في كتاب الطفل والاطلاع على التجارب الرائدة في ذات المجال.
ومن الطبيعي ألا تقتصر فعاليات هذا المهرجان على عرض الكتب بل امتدت إلى جملة من الأنشطة المصاحبة والمحاضرات والندوات وعروض مسرح الدمى وغيرها من الأنشطة الداعمة لفكرة المهرجان التي توزعت إلى أمكنة عديدة من إمارة الشارقة ومعالمها الثقافية والسياحية.
لن ندخل في نسب المبيعات وأرقام الزيارات وغيرها من مثل هذه التفاصيل ولن ندعي في ذات الوقت أن هذا المعرض في دورته الأولى حقق المعجزة.
لكننا وبكل ثقة يمكننا التأكيد على أنها مبادرة تستحق الاحترام والتقدير، وهي تأكيد إضافي على أن الشارقة هي محرك ثقافي حقيقي وأن ما تفعله في كل المجالات الثقافية يأتي في ظروف صعبة تمر بها الثقافة العربية من الماء إلى الماء.
حازم سليمان