«أولاد حارتنا» تحت هذا العنوان الذي تكمن بساطته في عاديته، ظهرت الفصول الأولى للرواية التي كتبها «نجيب محفوظ» في العام 1959 بجريدة «الأهرام» المصرية، غير أن هناك من رأى تحت العنوان الهادئ براكين مدمرة، خاصة إذا طبعت الرواية في كتاب، وهنا سارع البعض بإبلاغ الأزهر الشريف، ليحسم الموضوع.
وقتها جاء تقرير الشيخ «محمد الغزالي» بجعل الرواية إحدى محرمات الحياة الثقافية وكثرت التأويلات لإبطال الرواية، ومنها أنها تطال الدين، الله، الأنبياء بالإساءة المتعمدة، ومنها الإساءة إلى السلطة الحاكمة باعتبار شخصية «الجبلاوي» هي شخصية الرئيس عبد الناصر، والشخصيات الأخرى هي لمجلس قيادة ثورة 23 يوليو.
وجاء القرار بعدم طبع الرواية في مصر، وقتها طالب «محفوظ» بلجنة من الأزهر الشريف لمناقشته ولم يحدث، لتجد دار الآداب البيروتية مكسباً كبيراً في طباعتها حيث بيعت بأسعار مضاعفة، وبكميات مهربة فاقت ما كانت ستطبع به حينها في مصر.
كادت النيران تخبو، خاصة بعد رحيل «عبد الناصر» ورجال الثورة، لكن النار كانت لم تزل تحت الرماد، فإذا بها تشب في العام 1988 عندما أعلنت مؤسسة جائزة «نوبل» عن فوز نجيب محفوظ بها، وأشادت حيثيات الحكم ب«أولاد حارتنا» واصفة إياها بـ «الرواية الروحية». ودارت عجلات المطابع العالمية بأكثر من ثلاثين لغة تترجم «أولاد حارتنا» وغيرها..
وفى العام 1994 يتعرض أديب نوبل لمحاولة اغتيال بسبب الرواية نفسها. وتأتي انتخابات مجلس الشعب لعام 2005 ليحقق الإخوان المسلمون نجاحات غير متوقعة، فتعقد الندوات لتناقش وتحذر من خطر وصول الإخوان إلى الحكم، وفى خطوة جريئة يقوم القطب الإخواني البارز «د. عبد المنعم أبو الفتوح» بزيارة أديب نوبل ويتطرق الحديث إلى «أولاد حارتنا»،
لتبدأ العواصف من جديد، متمثلة في غضب الإخوان من «د. عبد المنعم» ثم عاصفة التحدي من دار الهلال وبعض صحف المعارضة بطباعة ونشر الرواية، ثم العاصفة الكبرى، والتي جاءت هذه المرة من «نجيب محفوظ» نفسه، حين اشترط لنشر الرواية أن يكتب مقدمتها المفكر «د. أحمد كمال أبو المجد» عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، فضلاً عن موافقة الأزهر الشريف أولاً(!).
ومن جديد ـ وبسبب تصريح محفوظ ـ يدب الخلاف بين مثقفي مصر، منهم من رأى أن تصريحه مغلفاً بهذه الاشتراطات يعد ضربة معلم، ومنهم من رأى في ذلك خطأً كبيراً يضع رقاب المثقفين والثقافة تحت سيف السلطة الدينية، بما فيها من رجعية.
وكان «مجدي الدقاق» رئيس تحرير دار الهلال، قد اخترق الحظر الذي دام منذ العام 1959 وطبع الرواية وهى الآن جاهزة للنظر والتوزيع للجمهور وبسعر شعبي، وإن كان «الدقاق» يتعجب من مقولة «رواية محظورة» خاصة وأنها لا تفارق الكثير من باعة الصحف والكتب على أرصفة شوارع مصر، حتى وإن كانت طبعة مصورة من النسخة البيروتية (!) ويرى «الدقاق» أن احترامه لنجيب محفوظ ولرفض نشر أعماله شيء لا يحتاج لتأكيد،
لكنه في الوقت نفسه يرى أن أعمال محفوظ الإبداعية هي ملك للثقافة العالمية، ولا يليق بمصر في ظل هذا الصراع الحضاري أن تمنع رواية أو فكراً بشكل عام، وإن كان لا يخفي اندهاشه من طلب «محفوظ» موافقة الأزهر أولاً في شأن طبع الرواية، ويقول «الدقاق» لو أجازها الأزهر لن أقدم على نشرها لأنه يرفض الوصاية على الإبداع.
ويشير «الدقاق» إلى التقدير الكامل للحقوق المادية والأدبية، خاصة وأن دار الهلال لا تسعى لكسب مادي، ويؤكد استعداد الدار للتنازل عن كل قرش خارج تكاليف الرواية للمؤلف وللناشر، ويرى أن ذلك سيسعد «نجيب محفوظ» الذي لا يسعى إلى مكاسب مادية، وكذلك «إبراهيم المعلم» ـ بوصفه صاحب حقوق النشر ـ.
وكان القطب الإخواني «د. عبد المنعم أبو الفتوح» قد برر زيارته لأديب نوبل، بالتأكيد على احترامه الشخصي لنجيب محفوظ، واحترام أدبه حتى لو اختلف معه في بعض منه، وأشار إلى أنه أراد القول «إن الإخوان ضد المصادرة لأي فكر وإبداع، وأنا إذن لست في موقف نقد أدبي لأنني رجل سياسة في المقام الأول،
ولو فتحنا الباب لمصادرة الإنتاج العقلي والثقافي، فلن يسلم منه الإخوان أنفسهم، تصوير الأمور بهذه السذاجة خطأ، فالمصادرة الإدارية مرفوضة وما يقاوم الفكر هو الفكر، وقد كان سبب الزيارة هو التهنئة بعيد ميلاد الرجل «الرمز الأدبي» هي إذن حملة من العلمانيين ضد الإسلام وليس الإخوان فقط لتصوير الإسلام على أنه نظام متخلف،
ولى سؤال: ألا يعلم هؤلاء أن أول كلمة في الإسلام هي «إقرأ»، ما يفعله هؤلاء هو ذعر وإفلاس، وموقف الإخوان من الإبداع معروف، وهو ليس ضد الإبداع مهما كانت صوره وأشكاله. أما عن رواية «أولاد حارتنا» بالتحديد فأنا أختلف مع بعض ما فيها، وعندما أريد أن أعلن رأياً سوف أقوم بالكتابة عنه، ولا يعوزني وصاية من أحد، ولا توجيهات من أحد إلا ضميري.
وكان د. أحمد كمال أبو المجد- أستاذ القانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية - قد فجر مفاجأة حين قال: «الحقيقة أنني لم أكتب مقدمة، وإنما شهادة حق قالها الأستاذ نجيب محفوظ نفسه، وأنا بذلك أقدم للقارئ أمانة في عنقي لهذا الرجل، وتعود الحكاية إلى العام 1994 حين تم الاعتداء عليه، وكان الأستاذ واضحاً تماماً في ضرورة قراءة الرواية على أنها رمز، لكن الواقع الثقافي للأسف أشبه ما يكون بحرب أهلية كلامية، وكل يفسر حسب الهوى، الشيوعيون لهم تفسير،
والعلمانيون لهم تفسير آخر، والإسلاميون لهم تفسير مختلف، وهذا لا يجوز في الأدب، فذلك تلفيق معيب، الرجل نفسه قال: أي مشروع حضاري عربي لابد أن يقوم على الإسلام وعلى العلم، ورواية «أولاد حارتنا» لم تخرج عن هذا السياق، والكلام مع الأستاذ كان له شهود ثلاثة: الكاتب محمد سلماوي والناشر إبراهيم المعلم، والإعلامي أحمد فراج، وقد أصبح الآن من حق الرجل أن ننشر شهادته، والآن لم أجد اختلافاً بعد قراءة الرواية مرة أخرى عما قاله محفوظ وكتبه عام 1994.
خدمة (و.ص.ع)
القاهرة ـ مصطفى الجارحي
