إلى هذه الدرجة يمكن أن يلعب الجمهور دوراً مهماً ومؤثراً في حسم بطولة كبرى، مثل بطولة الأمم الإفريقية. لم يختلف اثنان أن منتخب مصر لم يكن الأفضل، لا فنياً، ولا بدنياً، ومع ذلك فاز باللقب للمرة الخامسة.

عاشت الجماهير المصرية حلماً وتحقق.

قلّما يتحوّل الحلم إلى حقيقة، ولكنه تحوّل في البطولة الإفريقية التي انتهت منذ أيام. والمؤكد أن الجماهير هي البطل الحقيقي لأنه لولاها لما أكمل أحفاد الفراعنة طريقهم إلى منصة التتويج.

حالة غريبة من التشاؤم سادت أروقة الشارع المصري، وكان أكثر المتفائلين لا ينتظر أكثر من عبور دور الثمانية، وإذا بالأمور تسير في صالح صاحب الأرض إلى أن وصل النهائي، وبفضل الجماهير والدعوات في المدرجات، ما أهدر دروغبا أكثر من فرصة سهلة خلال الوقت الأصلي، ثم أضاع ضربة الجزاء الأولى في معركة ضربات الحظ الترجيحية.

لقد كانت هناك حالة من التعاطف مع هذه الجماهير، ليس في مصر وحدها، وإنما في معظم أو كل الدول العربية، الكثيرون في الدول الشقيقة رفعوا أيديهم إلى السماء أيضاً، حتى يجبر الله بخاطر هؤلاء المشجعين، ليعودوا إلى ديارهم وهم سعداء، واستجاب الله سبحانه وتعالى لكل هذه الدعوات.

لم يحدث في تاريخ الملاعب العربية، وربما العالمية أن تقبل جماهير على ملعب كما تدفقت إلى استاد القاهرة، والعجيب أن معظم من أصيبوا بجنون الذهاب إلى المدرجات لا يعرفون شيئاً عن كرة القدم، ومع ذلك شجعوا بصورة لم تحدث من قبل.

وعندما اقترب المشوار من نهايته، وتحدد النهائي أمام أفيال كوت ديفوار، أدرك الخبراء والنقاد أن فرص مصر للفوز باللقب صعبة، فالفارق الفني والبدني معروف، ولكن لدى المشجعين كان الأمر مختلفاً، حيث الثقة لديهم كبيرة جداً، والاطمئنان في قلوبهم لا يقبل الجدل، الدليل إجاباتهم عن أسئلة الصحافيين ومعلقي التلفزيون حول سؤال: من سيفوز؟

لقد كانت الردود في منتهى الطرافة، منها أن منتخب مصر سيفوز 4/صفر، و5/صفر، وربما أقل من ذلك بقليل، أو أكثر!

المسألة إذن ارتبطت بحلم لا تنازل عن تحقيقه، وهو ما امتد إلى اللاعبين في الاستاد، فبذلوا جهوداً مضاعفة، وجاهدوا وكافحوا، وظلّ عنادهم مستمراً حتى نهاية الوقتين الأصلي الأضافي، في ظل تفوق نسبي للاعبي كوت ديفوار.

بالطبع حاول حسن شحاته المدير الفني، ولكن محاولاته دائماً كانت بحاجة إلى وقود إضافي، سواء لفكره وخططه في الملعب، أو لقدرات وإمكانات اللاعبين في مواجهة المنافسين.

في مباراة كوت ديفوار بالتحديد، لم يكن بمقدور لاعبي مصر أن يلعبوا وقتاً إضافياً، لأن الكفة في صالح الأفيال طبعاً، ولكن بفضل الوقود الجماهيري أمكن لأحفاد الفراعنة أن يصمدوا، وأن يعوّضوا الفوارق البدنية والفنية مع بعض سوء الحظ أو عدم التوفيق للاعبي كوت ديفوار.

بكل تأكيد، كان لاعبو مصر رجالاً بمعنى الكلمة، وكانت عزيمتهم قوية، وإصرارهم فولاذي، وإلا ما واجهوا منافسهم بهذه الشراسة.

وعندما جاءت ضربات الجزاء، اكتملت الصورة الجميلة، في وقت كانت الدلائل تشير إلى أن المصريين بحاجة إلى معجزة، لأن الأفيال لم يهدروا ضربة جزاء واحدة أمام الكاميرون في الدور قبل النهائي وفازوا 12/11.

وها هي المعجزة وقد تحققت، دورغبا الرهيب يهدر الضربة الأولى، ويتقدم الفريق المصري بتسديدة أحمد حسن الناجحة، ثم يضيف محمد عبدالوهاب الثانية، ثم يهدر عبدالحليم علي الضربة الثالثة، وقبل أن يمسح دموعه كان الحضري العملاق ينقذ تسديدة الخطير بكاري كونيه، حينئذ كان نجاح أبوتريكة في إحراز الضربة الرابعة يعني استعادة منتخب مصر للقب، فأطلقت الجماهير في المدرجات وملايين المصريين والعرب أمام شاشات التلفزيون صيحات الدعاء.. ويارب.. فتحقق المراد.

ظاهرة الجماهير المصرية في بطولة الأمم الإفريقية لن تكون حالة وتمضي إلى حال سبيلها، وإنما ستتحوّل في الكثير من الملاعب إلى واقع مؤثّر في نتائج المباريات والبطولات.. ولكن يبقى السؤال: «كيف يمكن استثمار التشجيع المثالي في دفع الحركة الكروية»؟

ما حدث في مصر سيخضع للدراسات والبحوث، لأن من ذهبوا إلى مدرجات بطولة الأمم الإفريقية لن يذهبوا إلى مباريات الدوري، رغم أن أسعار البطولة الإفريقية وبخاصة في السوق السوداء، تمثل عشرات أضعاف أسعار تذاكر الدوري.

أسباب كثيرة وراء هذا التباين، أهمها أن «قلة الأدب» في الدوري عالية جداً، لذلك لم يتردد اتحاد الكرة المصري في تأجيل مباراة الأهلي والزمالك التي كان مقرراً لها هذا الأسبوع حتى لا يتحوّل الحلم الجميل إلى كابوس مزعج.

لم يعد الجمهور هو اللاعب رقم (12) وإنما رقم (1).