هل يستطيع أحد كتابة سيناريو للقاء اليوم ؟ .. وهل يمكن لأحد ان يتخيل وقائع المباراة النهائية للبطولة الافريقية رقم 25بين «الفراعنة» و«الأفيال»؟

الأجابة صعبة بكل تأكيد .. لكن يمكن الرجوع لقصة حياة زالمباراة النهائيةس عبر 24 دورة مضت منذ العام 1957 وحتى العام 2004، ربما نتعرف على شخصيتها ونرسم ملامح لحركتها وأدائها، ونتفهم مدى صبرها على تعادل طرفيها ، وكم مرة قررت ان تحتكم إلى ضربات «الحظ الترجيحية» لتعلن فوز هذا الطرف أو ذاك .. وأيضا ما هو حجم ومساحة اللحظات الحرجة في المباراة النهائية والدقائق الخطرة التي عاشها النهائي الأفريقي؟

السطور التالية تبحر في قصة حياة «نهائي أفريقيا» بالأرقام والدقائق ، ربما تنجح في رسم «بورترية» للمباراة النهائية طوال البطولات الافريقية ، قد يبدو كرويا في شكله العام ، لكنه بالأساس بورترية» ديجيتال».

* 1-اغزارة الاهداف

المباراة النهائية تعشق وتحب الاهداف ـ إلا قليلا .. بمعنى اخر أن نهائي الامم الافريقية اليوم الذي يجمع منتخبي الفراعنة والافيال سيشهد أهدافا بنسبة 85% تقريبا قياسا بتاريخ التهديف في نهائي أفريقيا عبر 21 بطولة أقيم خلالها النهائي.

والرصد الأولى للأرقام يؤكد تلك الحقيقة ويشير إليها بكل وضوح .. فخلال 24 بطولة أجريت حتى الان ، أقيمت المباراة النهائية 21 مرة فقط ، وكانت دورات 57,59,76 استثاءات في مشوارالنهائي.. فدورتي البداية الأولى كانت بمشاركة ثلاثة منتخبات فقط(مصر-السودان-أثيوبيا)اقيمت مبارياتهما وفقا لنظام الدورة الثلاثية .. وكذلك دورة 1976 التي أقيمت في اديس ابابا تم تقسيم منتخباتها إلى مجموعتين صعد الاول والثاني منهما إلى الدور النهائي الذي أقيم وفقا لنظام الدوري.

أما ال21 بطولة الاخرى فقد شهدت تسجيل 50 هدفا بمعدل تهديفي 4,2هدفا في كل مباراة نهائية ، وهناك ثلاثة نهائيات فقط لم تشهد تسجيل أية اهداف واضطر الحكام إلى اللجوء لضربات الترجيح لإعلان الفائز بكأس أفريقيا خلال دورات 1986بالقاهرة (مصر - الكاميرون) و1992 بداكار (السنغال- ساحل العاج) و2002 بمالي (الكاميرون-السنغال).

والعدالة على مستوى توزيع الاهداف على مدار شوطي اللقاء صفة ملازمة لشخصية «المباراة النهائية». وتسجيل الاهداف يكاد يتساوى بين شوطي المباراة.. فالشوط الأول في المباريات النهائية شهد تسجيل 24 هدفا ، فيما استقبلت الشباك 23 هدفا في الشوط الثاني ، بينما تم تسجيل 3 أهداف فقط في الوقت الممدد للمباراة النهائية بعد ان انتهى الوقت الاصلي بتعادل الفريقين.

* 2-أهداف الصدمة

إذا كانت الدقائق الخمس الأولى من عمر أي مباراة حساسة وعصيبة مثل نهائي البطولة تعتبر الزمن الصعب في اللقاء ، فإن التسجيل في الدقائق الاخيرة في المباراة النهائية يعتبر «وقت قاتل» .. وقد شهدت المباراة النهائية في 21 بطولة أقيمت حتى الان أوقاتا صعبة ، لكنها لم تشهد اوقاتا قاتلة حتى الان إلا 3 مرات فقط ..

وأول هدف تم إحرازه في النهائي الأفريقي خلال الوقت الصعب كان للاعب المنتخب التونسي عبد المجيد شتالي (المدرب المعروف حاليا)أثناء نهائي أمم أفريقيا في 19965تونس ، فقد سجل هدفا لمنتخب بلاده في الدقيقة الثانية من بداية الشوط الثاني وقبل أن يتيقظ المنافس(غانا) وينظم صفوفه.. كذلك النيجيري اودجامي خلال نهائي بطولة 1980 التي أقيمت في العاصمة لاجوس ، فقد أحرز هدفا في الدقيقة الثانية من بداية اللقاء في شباك المنتخب الجزائري ، وكان هدفا ساهم في تصعيب الأمور على الجزائريين الذين خسروا اللقاء بنتيجة 3/صفر.

ثم جاء النيجيري(أيضا) ايمانويل اومونيكي في نهائي بطولة العام 1994 بتونس وأحرز هدفا في الزمن الصعب للقاء الذي جمع منتخب بلاده مع منتخب زامبيا ، ولم تكد تنتهي الدقيقة الثانية من عمر اللقاء إلا وامونيكي يسجل أول أهداف فريقه الذي جاء كالصدمة للاعبي زامبيا.. لكن نيجيريا شربت من نفس الكأس ، فلم يكد امونيكي والدبابة البشرية رشيدي ياقيني وأجوشا ومفيدي ينتهون من تهنئة بعضهم ، إلا والفرحة بالهدف تسرق تركيزهم لمدة 60 ثانية كانت كافية للمهاجم الزامبي ليتانا ليحرز هدف التعادل في الدقيقة الثالثة من عمر المباراة.

وأيضا جاء الدور على الفراعنة في بطولة 1998 ببوركينا فاسو لكي يكتبواأسماءهم في قائمة «الزمن الصعب» عندما أحرز أحمد حسن هدفا في الدقيقة الخامسة من صاروخ أرض جو جاء كالصدمة لاستراتيجية منتخب جنوب افريقيا وادائه التكتيكي الذي لم يضع في حسبانه تقدم الفراعنة عليه بهدف في الدقائق الاولى.

وأخيرا جاء مهاجم نسور قرطاج دوسانتوس في نهائي بطولة 2004 الذي جمع منتخب تونس مع شقيقه المغربي، ليسجل هدفا في الدقيقة الخامسة من عمر اللقاء يربك حسابات بادو الزاكي المديرالفني لأسود الأطلسي ويدفعه لإعادة ترتيب الأوراق التي أعدها قبل اللقاء بخمس دقائق.

أما الأوقات «القاتلة» فشهدها نهائي أفريقيا 3 مرات فقط .. الأولى كانت في بطولة 1974 بالقاهرة عندما جمع النهائي منتخبي زائير (الكونغوالديمقراطية حاليا) ومنتخب زامبيا.. فقد انتهى الوقت الأصلي للقاء بتعادل المنتخبان 1/1 وتم تمديد الوقت الاصلي، وفي الدقيقة الثاالثة عشر من الشوط الأضافي الثاني(ق117 من عمر اللقاء) أحرز مولامبا هدفا لزائير كان بمثابة «القاتل» لزامبيا ، والكل من في استاد القاهرة وقتها يهيأ نفسه لمشاهدة مولامبا وهو يحمل الكأس الأفريقية لبلاده، لكن المهاجم الزامبي سينيانجو فاجأ كل من في الملعب وأحرز هدفا قاتلا أخر في الدقيقة الأخيرة (ق120) ليتعادل الفريقان ويقرر الاتحاد الأفريقي إعادة اللقاء النهائي بدلا من اللجوء لضربات الترجيح في أول واخر سابقة للمباراة النهائية في كأس الامم الافريقية.

النهائي الثاني الذي عرف طعم ومعنى الوقت القاتل كان في العام 1984 بساحل العاج .. فقد تقدم المنتخب النيجيري على نظيره الكاميروني بهدف للاعب لاوال في الدقيقة العاشرة ثم تعادل الأسود في الدقيقة 2/1 عن طريق رينيه ديجاني في الدقيقة 32.. وفي الشوط الثاني أحرزت الكاميرون هدف التقدم في الدقيقة 30 من عمر الشوط الثاني، ما جعل منتخب النسور الخضراء يهاجم بكل خطوطه وكان قاب قوسين او أدنى من تسجيل التعادل وبعد إضاعة هدف نيجيري مؤكد ارتدت الهجمة على مرماه ويسجل الكاميروني ابونجو هدفا قاتلا قبل انتهاء المباراة بأربع دقائق قضى على امال منتخب نيجيريا.

المرة الثالثة والأخيرة تكاد تتشابه في أحداثها الدرامية مع نهائي 1974 .. فقد تقدمت الكاميرون على نيجيريا بهدفين في الشوط الاول عن طريق النجمين صامويل ايتو وباتريك مبوما في الدقيقتين 26 و31 على التوالي ، وانتهى الوقت الاصلي للقاء واحتسب الحكم ثلاث دقائق وقتا بدلا من الضائع ، وفي الدقيقة 45 نجح النيجيري رافائيل تشوكو في تقليل الفارق واحرز هدفا لمنتخب بلاده .. واعتقد الجميع ان الشوط الاول سينتهي بتقدم الاسود2/1 ، لكن النجم اوكوشا كان له رأي اخر عندما اطلق قذيفة في الدقيقة 46 عانقت الشباك في زمن قاتل ، وانتهى الشوط بالتعادل ليستمر ايضا طوال الشوط الثاني ويحتكم المنتخبان لضربات الترجيح وتفوز الكاميرون.

* 3ـ في الوقت الاضافي

خلال 21 مباراة نهائية نجح أحد طرفي النهائي في حسم اللقاء خلال الوقت الاصلي 14 مرة ، فيما تم تمديد الوقت الاصلي 7مرات فقط بنسبة 3,33% تقريبا .. وبرغم ذلك لم يحسم الوقت الاضافي نتيجة النهائي لاحد الطرفين المتنافسين سوي مرتين فقط .. الأولى كانت في نهائي 1962 الذي جمع منتحبي مصر وأثيوبيا في اديس ابابا .. فقد انتهى الوقت الاصلي بتعادل الفريقين 2/2 وتم تمديد الوقت لنصف ساعة نجح خلالها المنتخب الاثيوبي في تسجيل هدفين متتاليين ليفوز بالنهائي ويحرز اول واخر لقب افريقي له ..

والثانية كانت في نهائي 1965 بتونس عندما انتهى اللقاء بين نسور قرطاج ومنتخب غانا بالتعادل 2/2 ، وفي الوقت الاضافي نجح الغاني اودير في تسجيل هدف لفريقه في الدقيقة السادسة من عمر الشوط الاضافي الاول وينجح فريقه في الحفاظ عليه حتى النهاية.

وهناك خمس مباريات نهائية لم يحسم فيها الوقت الاضافي نتيجة اللقاء واضطر الفريقان إلى اللجوء لضربات الترجيح لحسم النتيجة ، وكان ذلك في بطولات 1982بليبيا التي شهدت فوز منتخب افريقي بالكأس من خلال ضربات الترجيح لأول مرة في تاريخ البطولات الأفريقية، و1984 بين الكاميرون ومصر، و1992 بين ساحل العاج والسنغال ، ودورة العام 2000 بين نيجيريا وغانا ، وأخيرا بطولة العام 2002 بمالي عندما فاز الكاميرون بالبطولة وانتزع الكأس من السنغال بفضل ضربات الجزاء الترجيحية.

كانت تلك الملامح الرئيسية لشخصية المباراة النهائية في كأس أمم أفريقيا .. صحيح انها ملامح رقمية قد لا تقدم ولا تؤخر مع منطق كرة القدم الساحر والغامض ، إلا أن قراءة الأرقام من خلال التاريخ قد تعطي معنى لها وتنفي عنها أنها مجرد «كلمات على الأوراق» بدون معنى.

إعداد:أحمد هاشم