ما الذي يفعله المسلم في حياته غير الجهاد، وحمل السلاح، وتفجير الأبراج السكنية، وقضاء الوقت في المعتقلات العالمية، وغيرها من هذه الصور النمطية التي سادت وتكرست حتى صار مجرد الاقتراب من المسلم مغامرة يحكى عنها، خاصة إن مرت بسلام من دون أن يتعرض للأذى.
هو سؤال أو جملة أسئلة يحاول معرض «أرضية مشتركة» الذي يفتتح اليوم في متحف الشارقة للفنون، ويستمر لغاية 28 من الشهر الجاري أن يجيب عنها.
وأن يقول إن للمسلم حياة أخرى، فهو يحب التسوق، ويلعب الشطرنج، والبلياردو، ويتنزه في الحدائق العامة، ويعمل، ويتألم، ويموت كغيره من البشر، وهو يعيش أيضاً محنته الكبيرة في ظل هذا الكم المرعب من التشويه الذي لحق به وحياته، وفي وجوده بين الناس عبر أرجاء العالم.
الفكرة الأولية التي تتبادر إلى الذهن، هي عن الحال الذي وصل إليه المسلمون عبر العالم ليكونوا بحاجة إلى مثل هذه الخطوات والمعارض، التي تستعرض حياة المسلم ككائن بشري لا يتسلى بإلقاء القنابل من الشرفات في أوقات فراغه، بل يذهب إلى البحر، ويشرب القهوة عصراً، ويتابع الأفلام السينمائية والمسلسلات، وربما أكثر من غيره بكثير.
تتلخص فكرة هذا المعرض العالمي والذي يشارك فيه نخبة من الفنانين من بريطانيا، والدول العربية، والدول المسلمة في منطقة جنوب شرق آسيا، في البحث عن أرضية مشتركة للتفاعل بين المسلمين على مستوى العالم، عبر وضع المشاركين فيه أمام تحد كبير.
ألا وهو كيف لهم أن يعبروا عن هذا الإسلام في أعمال فنية، خاصة أن تجسيد الإسلام لا شك أنه عملية صعبة وشائكة، نظراً لشمولية الموضوع وتشعب كون الإسلام يتكيء على إرث ثقافي وحضاري اجتماعي واقتصادي، وحتى أيديولوجي.
وهنا انقسمت المهام إلى أربعة مفاصل رئيسية، الأول يبحث في الوجود الإسلامي في أوروبا وخاصة بريطانيا، وقسم ثان مخصص لمسلمي جنوب شرق آسيا، إضافة إلى الدول العربية، وكانت المحاولة في البحث عن نقاط التلاقي والاختلاف فيما بينهم، ومن ثم ما يمكن ان يميزهم عن غيرهم من أعراق العالم وأديانه.
أمام هذا التحدي مضت غالبية أعمال المعرض نحو القيم البحثية أكثر من الاستعراضية لمجموعة من اللقطات، وفي إيجاد جملة من العلاقات العضوية التي تجمع مفردات غالبية التجارب خاصة في سياق التعرية، والمصداقية، وعدم الإدعاء بحيث تصير هذه الأعمال والتجارب مجرد خطاب سياسي وايديولوجي يمكن له ان يكون مرفوضاً.
فنرى مثلاً الفنانتين آمي روبينز وتنوير أحمد من بريطانيا ركزتا على الموسيقى والدور الذي لعبه المسلمون دون النظر إلى عرقية معينة، في هذا المجال، وكان التركيز على تحليل العلاقة بين الألمان والموسيقى عبر مشروع بصري متكامل بين الكلمة والموسيقى والصورة الفوتوغرافية.
الفنان البريطاني «انتوني لام» يقتحم في تجربته مفهوم الهوية وتلك المفردات المتعلقة باللجوء السياسي، والهجرة، عبر تحطيم الصورة النمطية للأفكار المتعلقة «بالأرض السعيدة، إلى كشف التناقضات المخفية بين الواقع والمثالية، حيث تلخص تجاربه جملة التغيرات والتحولات التي شهدها المجتمع البريطاني في علاقته مع الآخر المسلم والعكس».
بين الفنانين «بيل فو وتيم سميث» سمة مشتركة في أنهما تطرقا إلى المجموعات المسلمة التي وصلت بريطانيا مطلع القرن المنصرم للعمل في مصانع النسيج، حيث كانت حاجة بريطانيا في تلك الفترة إلى الأيدي العاملة، ثم تحول هذه التجمعات العمالية إلى مستعمرات مستقلة تعيش عالمها الخاص وتبحث عن سبل الانسجام والتأقلم مع محيطها الغامض والرافض.
«أخوات الحجاب» هو عنوان الموضوع الذي قدمه الفنان كلمنت كوبر، وقد اختار فكرة الحجاب التي استعرضها بأسلوب بسيط جداً أو مباشر محاولاً التأكيد على التنوع القائم والموجود في الشخصيات النسوية المحجبة .
وليس ما يمكن ان يوحيه هذا الزي الإسلامي بالتشابه والتكرار واليأس، محجبات كوبر، على درجة كبيرة من النضج والتحرر الذهني والفكري، مؤكداً في مقولته ان لدى هؤلاء الناس الكثير من الأشياء المميزة والمثيرة للانتباه والاحترام.
وبدوره يحاول سوكي داندا ان يكسر العديد من الصور النمطية عند الشعوب غير المسلمة وخاصة حول الفتاة المراهقة حيث يقتحم وبكثير من الجرأة الحياة اليومية والعادية لهؤلاء المراهقات في البيت والشارع، ويخرج بجملة من المقولات ان الصور والأفكار التي تبثها وسائل الإعلام عن انهزامية وضعف المراهقة المسلمة أمر مغلوط.
وتأكيد على ضرورة عدم التعامل معهن من خلال الشكل الخارجي بل لابد من التعمق في شخصياتهن القوية والمتمردة، وأنه لا فرق بالمطلق بين المراهقة الأوروبية المسلمة، وغيرها من المراهقات حول العالم.
من خلال النظرة العامة لأعمال الفنانين من دول غير مسلمة نجد أنها ركزت في عمومها، على مناقضة النمطيات والاقتراب قدر الامكان من الحقيقة الكامنة والمهملة عند المسلمين المهاجرين وحياتهم الخاصة والعامة وأحلامهم.
ومحاولاتهم الدائمة والمستمرة في أن يكونوا جزءا اساسيا في المجتمعات التي يعيشون فيها، مع الاحتفاظ بالخصوصيات التي تميزهم عن سواهم هذه الخصوصيات التي يمكن لها أن تكون دعماً للتنوع والغنى والحرية التي يفترض أن المجتمع الغربي يحميها ويدافع عنها.
ولعل مجموعة الفنانين العرب في هذا المعرض كان عليهم المسؤولية الأكبر في تقديم أعمال من داخل المجتمعات العربية المسلمة، فنجد أن الفنانة الإماراتية نهى أسد «وجوه بملمح واحد» على قراءة مفهوم التنوع، والخليط البشري الذي ليس بالضرورة أن تكون نتائجه ايجابية.
لكنها بالوقت نفسه تؤكد على مفهوم التعايش بين الجميع على اختلاف العرق والديانة والثقافة، الفنان أنس الشيخ يقدم عبر عمله «ليس للبيع» المعتمد على فن الفيديو التفاعلي أن يناهض مفهوم التبعية الحضارية القائمة، يرفضها، لكنه في الوقت نفسه يعترف بالخطأ الحاصل والأسباب التي أدت إلى هذه النتائج.
أما التجربة الفنية المشتركة بين حسن مير وابراهيم القاسمي فنجد البحث في مفهوم الهوية الجديدة، وقوة العولمة الرامية إلى تهميش الآخر والقضاء بشكل أو بآخر على التراكم التراثي الكبير للحضارة البشرية.
لم تخل أعمال بقية الفنانين العرب المشاركين في هذا المعرض أمثال أمل العالم، بشرى المتوكل، كميل زكريا، منال الضويحان، من القيم البحثية العميقة ذاتها.
والتي حاولت وفق شتى الأدوات البصرية الفنية معالجة جملة من القضايا علاقة المرأة المسلمة في الخليج بعاداتها والتحولات التي تعيشها داخل المجتمع، والعلاقة الاشكالية بين ما هو ديني وما هو تراثي، وكل ما له علاقة بالهوية وعلاقتها بالعالم المتسارع الصاخب والمتغير.
إن هذا المشروع الثقافي الفني العالمي الكبير استغرق الى سنوات طويلة من الاعداد للوصول إلى حالته الراهنة، وهو ثمرة تعاون بين دائرة الثقافة والاعلام والمجلس الثقافي البريطاني، ورغم أن هذا المعرض الذي أمامه جولة عالمية كبيرة، بدأ على شكل فكرة صغيرة ومحدودة حول الاسلام في بريطانيا، لكن الفكرة امتدت نحو آسيا والشرق الأوسط والدول العربية.
حازم سليمان