في الوقت الذي تتسع فيه روافد العلم، ويزداد نهر المعرفة غزارة، ويتجه العالم للتخصص... تشهد الساحات العربية الكثير من المثقفين متعددي الاهتمامات، فكيف يمكن للناقد أن يجتمع مع الشاعر، وللصحافي أن يتقاطع مع الأديب وللتشكيلي أن يخبئ في داخله روائيا... وهل هذا تشتت أم تنوع، أم ضياع الإبداع في اتساع الموهبة؟ وهل هي ظاهرة عربية فقط؟

محمد الجزائري، كاتب وناقد وأديب وصحافي قال لـ «البيان» منطلقاً من تجربته الثرية في التنوع الإبداعي وتعدد الاهتمامات: أجزم بأن الغرب يتصف بهذا التوصيف، على الصعيد الثقافي المعرفي والإبداعي (الأدبي الفني) بخاصة، فقد وجدنا بول إيلوار شاعراً ورساماً، كذلك أندرية بريتون، وجان كوكتو.

وغيرهم، وحتى على صعيد العمارة والطب، إذ قلما تجد معماراً أو جراحاً لا يجيد الرسم، بل تجد المعمار متبحراً بتاريخ الفن ومذاهبه وأساليب مبدعيه، وهو نفسه يجيد اللعب بمخيلته مبتكراً أشكالاً لا تتسم بالجمال وحسب، بل الجدة أيضا والخصوصية. كذلك شأن الطبيب، فهو يدرس بعمق ما يتعلق بالطب البشري وبالأدوية والتشخيص والعلاج السريري.. إلخ، قبل أن يتخصص.

إذا هو الإلمام بمعارف الصناعة الإبداعية وإتقانها، ثم التفرد في ميزة تميز جانباً أو جزءاً عضويا فيها، الأمر الذي ينسحب على صاحب المشروع الثفافي/ المعرفي، الذي لا يتوقف، مثل عامل الميكانيك البدائي، عند «برغي» التخصص أو الآلة، ويكتفي بروتين ما استهلك، فيتحول عبد تكراره.

وأضاف الجزائري إن الكاتب الفنان هو الذي ينتج نصا بصريا خارج إطار الرسم، إذ ليس كل رسام فنانا.. والمبدع هو فنان نصه، شعرا كان أم سردا حكائيا أم نقدا.

ولا أغامر بتسمية كل لاهث وراء نص معلول، بأدوات فقيرة، ناقدا، فالنقد عندي ليس نصا موازيا، بل هو إبداع متفرد يقود كاتب النص والمتلقي معا إلى رحاب فضاءات غير مكتشفة. ويضيف إلى النص الأول قراءة متجاوزة.

وعلى صعيد تداخل الاهتمام بين الأدبي والصحافي رأى الجزائري أن على الصحافة (الأدبية والفنية حصراً) أن تستدرج، إلى فضائها المهني، شعراء أو قاصين، وليس معلمي لغة عربية ومصححين طباعيين، بل أولئك المنحدرين من أصول أدبية إبداعية.

قد تتأثر مواهبهم سلباحين تستلبهم المهنة، وتفتت وقتهم الثمين، فينأى أحدهم عن التفرغ لإبداعه، ويتوقف إنتاجه عند محطة نصوص ابتدعها سلفا، حين تضغط عليه بيروقراطية العيش اللاهث وراء الخبز، فتدفعه قسرا إلى إهمال متطلبات سقاية روحه الشاردة.

ويقظته الإنسانية في مراقبة إيقاع الحياة سعيا لتغييرها بفطنة فنه الإبداعي، أو رسم آفاق منيرة وسط عتم الزمان المقلوب وتتابعه المضجر، عبر ألسنة نصوصه، وخطابه المبين، كي لا يموت خطاب التغيير على أرصفة العيش الصعب.

وأضاف الجزائري أن المبدع اليومي، كي يكون مؤهلا لمهمته ومهنته، لابد أن يتكون فيه المعرفي المسرحي أو السينمائي أو القصصي، أو الشعري، بحسب التخصص الذي كرس عمله اليومي للاشتغال عليه، وحالما تتكامل عدته وثقافته المعرفية في آفاق تلك الفنون وثقافاتها،.

وما يترتب عليه من كد فلسفي حثيث وحفريات في مهاد التنوع، يتحول، بالضرورة، من مثقف وظيفي إلى آخر شمولي مغير ومؤثر، مما يثري موهبته في الشعر أو القص، أو أي جنس إبداعي اختار.

وفيما يتعلق بالناقد قال الجزائري: الناقد مهمته صعبة، إنه يقطر السرور الصعب من كفاح دائب وكد مثابر لتطوير ثقافته البصرية والسمعية والقرائية، ويسعى لثثقيف دائم لحواسه، وتدريب جليل لأحياز تناولاته وأفضيتها الفاضلة، كي يكون نصه إبداعا فوق الإبداع التقني.

وما وراء الحرفية والمهنية المحض، خارج المألوف والمؤقت والزائل، إنه صانع رؤى وأحكام قيمية من طراز متفرد، وإن لم يتوفر ترحاله النبيل على مشروع التجاوز لن يكون مؤهلا لشرف التسمية، في أي حقل يحرث ويسبر ويتوغل.

وأكد الجزائري ختاماً أنا مع التعدد والتنوع المؤسس برصانة وكد معرفي وخبرة تستقي تجليات الفذاذة والتميز والتجاوز، وعدا ذلك هواء فاسد، وصناعة بائرة وانتفاخ أوداج فارغة، ومحض وهم.

محمود أبو حامد