في حدود عام 1983، يقول الباحث احمد راشد ثاني «كنت طالبا في الجامعة وكنا مدعوين لسهرة وداعية لأحد أساتذتنا في كلية الآداب، وفي أثناء السهرة كانت هناك علبة «كرتون» للقمامة أعدها الأستاذ المغادر. سألته عن ذلك الكرتون: ماذا به؟

فقال: مجموعة مقالات عن التراث الشعبي وحكايات شعبية كنت اطلب من تلميذاتي تدوينها ضمن الواجبات الدراسية الحرة، وأوراق أخرى ليست بذات أهمية. هل تريده؟ يقول احمد راشد ثاني: أخذت علبة الكارتون احملها من مكان إلى آخر.

هذه الأوراق تحولت اليوم إلى كتاب مطبوع صدر حديثا عن المجمع الثقافي في أبوظبي وهو عبارة عن الجزء الثالث من كتاب «السرد الشفاهي» الذي قدم من خلاله احمد راشد ثاني جزئيه السابقين «حصاة الصبر» و«دردميس».

والكتاب الجديد يصدر تحت عنوان «الا جمل حمدان في الظل بارك» ويحتوي أربع وعشرين حكاية شعبية، وبذلك تكون الأجزاء الثلاثة لكتاب السرد الشفاهي قد جمعت حتى الآن 45 حكاية أو «خروفة» شعبية تكون في متناول الباحثين والدارسين والقراء الجادين في الاطلاع على فن السرد في الإمارات.

ويشير احمد راشد ثاني في مقدمة الجزء الثالث إلى ان مجتمع الخليج والجزيرة العربية يخسر خسارة إبداعية كبيرة في ظل غياب خطط جمع منظم وشامل لأشكال السرد الشفاهي، خاصة وان روايات ورواة الحكاية المتمرسين في سبيلهم إلى الانقراض.

ولعل ذلك من اكثر المظاهر المؤسفة لهدر الإمكانية السائد، فالهدر لثراء وغنى وخصوبة روح إنسان هذه المنطقة، أي انه هدر لما لا يسترد أبدا، ومن هنا تأتي ضرورة التوجه الفعلي لجمع الحكاية وتدوينها وبالتالي توفيرها للباحثين والنقاد والقراء.

فما يسميها الفولكلوريون خريطة الحكاية الشعبية لا يمكن ان ينجزها فرد او حتى مؤسسة مكبلة بالروتين والتمنع المادي على الثقافي بالذات.

ويؤكد الباحث ثاني إلى ان العمل على جمع الحكاية و«تخريطها» بحاجة لداعم وقرار استراتيجي. كما ان ظهور قلة مميزة من الأقلام في الخليج والجزيرة العربية توظف أدوات نقدية حديثة في قراءتها للحكاية الشعبية، فان الأمر أيضا يحتاج إلى اكثر من ذلك.

فالسرد الشفاهي يستحق ان تكرس له جهود عديدة ومتواصلة، كما ينبغي ان تنفتح على قراءته علوم كالتاريخ والاجتماع والانثربولوجيا، خاصة في ظل غياب مادة توثيقية مكتوبة عن حياة الناس في هذا الإقليم، وربما عبر العصور.

كما يشير احمد راشد الى فعل نقل الحكاية الشعبية من حالتها الشفاهية إلى الكتابية مستشهدا بالرأي القائل انه بالرغم من ان الكتابية تستهلك أسلافها الشفاهيين وتحطم ذاكرتهم ان لم تأخذ بالغ حذرها، فهي لحسن الحظ قابلة كذلك للتكيف.

مرعي الحليان