لا يمكن الحديث عن الحركة التشكيلية في الإمارات وتاريخها دون الوقوف مطولاً عند مجموعة من الأسماء والتجارب المؤسسة والريادية والتي انتقلت معها الحركة التشكيلية المحلية من مرحلة إلى أخرى .

ومن مستوى فطري بدائي إلى التأسيس لولادة محترف تشكيلي حقيقي على المستويين الفني والمؤسساتي، ومن هذه الأسماء الفنانين الدكتورة نجاة مكي والدكتور محمد يوسف، وهما علامتان فارقتان وأساسيتان في الحراك التشكيلي الإماراتي.

ومن هنا فإن مجموع الأنشطة والفعاليات التي تقيمها جمعية الإمارات للفنون التشكيلية احتفالاً بمرور 25 عاماً على تأسيسها وخاصة الاستعادية منها، كان لابد لها من الوقوف مع هذين الفنانين في أمسية فنية أقيمت في رواق الشارقة للفنون تضمنت على تقديم جولة بانورامية عامة في مسيرتهما الفنية، وبعض الوقفات عند الهموم والآمال والمشاريع المستقبلية، مع عروض مصورة لمجموعة كبيرة من أعمالها الفنية.

نجاة مكي التي كانت الوقفة الأولى معها تحتفظ في جعبتها بالكثير من المميزات، فهي أول فنانة محلية متخصصة في مجال النحت بصورة أكاديمية، وهي أيضاً أول امرأة إماراتية تنال درجة الدكتوراه في مجال فني.

وهي رائدة من رواد الحركة التشكيلية، والتي اتسمت تجربتها بالعديد من المراحل والتطورات التي تعكس ميلها البحثي الدائم والمستمر في استنباط أساليب فنية جديدة، تنطلق بمعظمها من أرضية محلية صرفة، وعلاقة وثيقة بالموروث والمميزات المحلية على اختلاف أنواعها والتي تخضعها لجملة من القراءات والتوظيفات في متن لوحتها الحداثية.

كان حديث مكي في هذه الأمسية حافلاً بالشجن المتعلق بتلك السنوات البعيدة واللقاءات الدائمة بين الفنانين بهدف تدعيم بنية الحركة التشكيلية المحلية، كان الحديث عن الأعمال الأولى التي كانت نحتية قبل أن تهجر هذا المجال وتتجه بصورة كلية نحو اللوحة المحمولة.

وتناول الحديث أيضاً تلك الرحلة الممتعة التي عاشتها الفنانة في فترة تحضيرها لرسالة الدكتوراه والتي تمحورت حول العملات القديمة، ومفاد هذا الاستمتاع، يكمن في اطلاعها على هذه الحرفة الفنية الكبيرة، والتي تميزت بالكثير من الخصائص في عملية الحفر والنقش منذ ما قبل الإسلام مروراً فيه وما بعده،.

وعلاقة الرسم والنقوش التي احتوتها هذه العملات بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي كانت سائدة وقت صنعها والتي تعطيها قيمة تاريخية وتوثيقية كبيرة الأمر الذي دفعها إلى إنجاز مجموعة من مثل هذه العملات لمحاكاة فنية وليس لاستخدامها.

ثم قدمت نجاة مكي جولة مصحوبة بنماذج من أعمالها، لخصت فيها مسيرة فنية طويلة بدأت منذ مطلع الثمانينات أي بعد تخرجها من كلية الفنون الجميلة في القاهرة وحتى اللحظة الراهنة التي لا تزال تؤمن فيها بأن الرحلة رغم طولها لم تكتمل بعد ولن، الأمر الذي يبقيها على ضفة التجدد، تنظر إلى ضفة الكمال البعيدة والمستحيلة، وهي دعومة الفن وصعوبته.

محمد يوسف الذي لا يزال عالقاً في البحر الذي قرب بيته القديم، تمحورت كل مداخلته عن العلاقة الأزلية بين الماء واليابسة، وعن البحر والزرقة التي لا تزال تأسره، وتدعوه للبحث، والتأمل والتأويل.

وعدم استسلامه أبداً لمفهوم العمل الفني المكتمل، بل إلى العمل الدؤوب إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه المخيلة، وإمكانية استنطاق الأشياء والبحث في ماهيتها، وروحها، وصوتها.

ولعله وسط شهيته المعروفة للمستقبل والعمل والمشاريع الفنية التي تشغل باله، خاصة وأنه يختار لنفسه الصعب، نسي أن يعود بنا إلى الماضي.

وإلى دوره المحوري ليس باعتباره فنانا مؤسسا، بل في بصمته على تجارب الكثير من الأجيال اللاحقة، في المحترف التشكيلي والمحترف المسرحي أيضاً. وأنه من أوائل الخريجين الذين درسوا الفن أكاديمياً عام 1978 ومن جائزته الفنية الأولى في معرض الشباب 1979.

ولأن هذا الفنان يعيش لحظته فقد قفز فوق الكثير من المراحل مركزاً على إيصال فكرته البحثية التي يعمل عليها، والتي رغم أنها تمضي بعيداً في مناخات فكرية وذهنية قد تبدو وللبعض معقدة، إلا أنها بالنسبة له، نابعة من حالة فنية عفوية كاملة وخالية من أية قصدية، مستغرقاً في البحر وتجلياته، ومحاولة سبره ورؤيته وفق جملة من الزوايا البصرية التي تصل في بعض الأحيان إلى حالة مجهرية.

كل هذه التراكمات والسنوات التي قضاها في طرح الأسئلة قادته إلى معرضه الأخير الذي أقيم في ألمانيا وهو في صدد جولة أوروبية واسعة النطاق، وفي هذا المعرض .

وكما قال يوسف تلبية لنداء قديم يعود إلى سنوات الطفولة التي علقت في ذاكرته وخاصة الأصوات، ومن هنا تداخلت هذه التجربة بين البحث البصري، والبحث الصوتي، والإيقاع المنتظم، وذلك الهمس المستتر في بنية العمل الفني، وقد تشارك في هذه التجربة مع موسيقي إيراني.

لم يفوت محمد يوسف هذه المناسبة من دون التأكيد على ضرورة التحدي، وعودة النحاتين الإماراتيين الذين تركوا النحت، مؤكداً على أهمية التحدي والمواجهة خاصة مع الحدود الاجتماعية التي خلقت ولا تزال جبهات رفض ضد فن النحت.

عموماً كانت أمسية فنية فيها الكثير من قيم الوفاء والامتنان لتجربتين تشكيليتين، رياديتين في مسيرة الإمارات الثقافية.

حازم سليمان