ضمن فعاليات الموسم الثقافي الذي ينظمه مركز زايد للتراث والتاريخ التابع لنادي تراث الإمارات، قدم الدكتور شفيق محمد الرقب أستاذ اللغة العربية في جامعة الإمارات، محاضرة مساء أول من أمس، بعنوان «أدب الرحلات والعمران الاجتماعي» قدمه خلالها أحمد مصطفى عفيفي وتحدث فيها عن رحلة ابن جبير في بلاد الشام كنموذج للعديد من الرحلات التي قام بها الرحالة المسلمون.

والتي تنوعت بواعثها، وتباينت وجهاتها والبلدان التي وصفوها، و خلص إلى أن تلك الرحلات عامة تميزت بتصوير مظاهر العمران الاجتماعي ممثلة بالعادات والتقاليد والأخلاق وأنماط السلوك اليومي والأحوال الاقتصادية والثقافية، كما رصدت بدقة فائقة العوامل الفاعلة في المشهد الحضاري العام لتلك البلدان.

وكان المحاضر قد أكد في بداية المحاضرة أنها تهدف إلى تناول تلك المظاهر كما تمثلت في رحلة ابن جبير إلى بلاد الشام في القرن السادس الهجري، والتي استغرقت أربعة أشهر، وخاصة من ناحية التراث الشعبي والعادات والتقاليد والأخلاق، والطابع الريفي للحياة الاجتماعية، والمنشآت والمرافق الحضارية، والتسامح الديني.

وقال: إن بلاد الشام شهدت زمن الحروب الصليبية نشاطاً ملحوظاً للرحالة الأوروبيين الذين توافدوا إلى مملكة بيت المقدس الصليبية يحدوهم ذلك الدافع الديني، والرغبة في استطلاع أحوال تلك البلاد المتصلة بذكريات النصرانية في عهدها المبكر.

واهتم هؤلاء الرحالة بتقصي أوضاع الكنائس والأديرة والمزارات المقدسة، وبالحديث عن معجزات المسيح والقديسين، وإيراد الأساطير والأخبار، حتى ليخيل للقارئ أنهم أرادوا طمس الوجه الإسلامي لديار الشام عامة وفلسطين خاصة.

بالإضافة إلى تحاملهم على المسلمين، واتهامهم بأنهم سبب خراب البلاد المقدسة قبل الحملات الصليبية، ولعل ابن جبير أراد أن يستطلع أحوال ديار الشام وهي تواجه هذا العدو الذي غزا الإسلام في عقر داره بعدته العسكرية ومن ورائه تلك الدعاية الدينية.

وأضاف الدكتور شفيق قائلاً: «إن ابن جبير لم يزر بلاد الشام كلها، وإنما بعض المناطق الشمالية منها، وأنه سلك طريقاً واحداً التزم به حتى غادر عكا، وإن الأماكن التي نزل فيها كانت منتقاة، وهي الأماكن الحضرية.

أو تلك التي يتوفر فيها ما يحتاج إليه المسافر، وإن معظم سفره كان ليلاً بسبب ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف. وإن الرحلة تضمنت الكثير من المقاطع التي تصف المشاهد الطبيعية للمناطق التي زارها بلغة أدبية مفعمة بالشعرية.

وركز ابن جبير على المنشآت الدينية والحضارية التي أنشئت في المدن الشامية الكبرى، وأبدى اهتماماً بالمسجد الأموي، وقدم وصفاً دقيقاً له؛ من حيث موقعه ومساحته وأبوابه وقبابه وصحنه وبلاطه، وتعدد أوجه النشاطات فيه، وتعليم القرآن الكريم للصبيان، كما اهتم ابن جبير بالمدارس وخاصة مدرسة نورالدين زنكي في دمشق.

ووصف بعض مرافقها و زار بعض المرافق الرئيسية مثل البيمارستانات و أحصى منها أربعة، قال عنها: «وهذه المارستانات مفخرة عظيمة من مفاخر الإسلام». ووصف المدن الشامية التي شهدت نشاطا تجاريا واسعا، والأسواق العامرة في تلك المدن، وصور كيفية بنائها وطرائق تصميمها.

كما رصد صوراً متعددة من الحياة الاجتماعية تمثل بعض مناسبات القوم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، و أعجبه احتفال الناس بعدد من المناسبات الإسلامية مثل ليلة النصف من شعبان، وليلة السابع والعشرين من رمضان، ويوم عرفة، واهتم بطريقتهم في المشي والمصافحة وطريقتهم في تشييع الجنازات وتقبل العزاء.

وفي ختام المحاضرة تحدث الدكتور الرقب عن انتباه ابن جبير لبعض المشاهد الغريبة في البلاد التي كانت تخضع لسيطرة الغزاة، لا سيما أحوال المسلمين فيها، والعلاقات التجارية التي كانت قائمة بين المدن المحتلة والمدن الإسلامية، ومرأى الأسرى المسلمين وهم يعانون الذل والهوان، بالإضافة إلى بعض عادات الغزاة وأساليب معيشتهم.

وقال: إن جميع المشاهدات التي ذكرت في رحلة ابن جبير جاءت بلغة سهلة وبسيطة تشيع فيها الجمل التي تعبر عن الدهشة والاستغراب لما يعاينه من أمور لم يكن يألفها في مغرب العالم الإسلامي.

العين ـ مكتب «البيان»: