لا تتطلب اللوحة الجميلة والمؤثرة الكثير من الجهد لفرض حضورها على المكان وعلى المتلقي، فحين تصير هذه اللوحة مساحة للبلاغة البصرية والتعبيرية، وحين تتحول إلى لحظة استثنائية لالتقاء الحرفة والموهبة والثقافة المدعمة بالحساسية العالية، يكون علينا أن نتأمل ملياً في النتائج .

والتي هي في الغالب، تشاغل العقل بالأسئلة والدلالات المضمرة جمالياً وتجريدياً، وتشاغل العين بالمتعة البصرية المستندة على الحرفية التصويرية الدقيقة والمباشرة.

ومن هنا فإن معرض الفنان محسن كرمنشاهي الذي افتتح مساء أول من أمس في صالة توتال آرت دبي، يتحرك وفق هذين المنهجين، فهو من ناحية يحاول الوصول عبر مجموعة من الأعمال التجريدية إلى صياغات بصرية أو إلى اجتهادات جديدة في هذه الصياغات، يقترحها حرة، خالية من الخوف، أو القلق الذي يمكن للوحة أن تفرضه على صاحبها، في حالة البحث والمغايرة.

وهو من جهة ثانية يقدم نفسه بصورة تناقض الحالة الأولى جملة وتفصيلاً، حيث لا شيء إلا التصوير، وتحدي الذات والقدرات في المدى الذي يمكن فيه للوحة أن تصير مساحة مقتطعة من الواقع ومجسدة بكل مفرداتها وأبعادها البصرية.

هي ثنائية يعزف عليها كرمنشاهي محاولاً أن يؤاخي بين خطين متناقضين جملة وتفصيلاً، لكنهما عند هذا الفنان يتحولان إلى مشروع له مبرراته الخاصة، كمن يحاول المؤاخاة بين الصوت وصداه، بين اللوحة بشكلها الواقعي، وشكلها التجريدي، إذاً نحن نرى عملة واحدة بوجهين.

وقراءة مزدوجة لمشهدية واحدة، بمعنى أننا نرى الطبيعة بحالتها التقليدية المباشرة، لوناً وظلاً ونوراً، ثم نرى هذه الطبيعة برؤية المجرد الذي تتحول معه المشاهدة إلى قراءة مبتكرة قائمة على إعادة الخلق والتكوين، والخروج بلوحة منتمية إلى القناعة الخاصة، ومنحازة عن كل الأفكار المسبقة، والجاهزة، والمختزنة في الذاكرة الجمعية.

رغم هذا التداخل أو اللعبة التي يقترحها هذا الفنان عبر أعماله إلا أنه حافظ بشكل أو بآخر على تلك المسافة البسيطة بين الخطين، وهي وإن كانت مسافة وهمية، إلا أنها تبدو ضرورية، لحالة الإيهام المفترضة بين ما هو واقعي، وبين ما يرفض هذا الواقع ويرغب بإعادة تكوينه وقراءته من جديد.

كلاسيكيات كرمنشاهي بالغة الأثر والجمال، وتطرح نفسها بهية ومشرقة بألوانها، ومدهشة بما فيها من إمكانيات تصويرية عالية، تستند على الحرفية التي يمتلكها هذا الفنان، في نقل هذه المشهديات.

والتقاط أدنى التفاصيل المكونة لها، ثمة مهارة في امتلاك اللون والتعامل معه، الأمر الذي يؤدي إلى مقاربات مثيرة بين الصورة وأصلها، اللوحة وحقيقتها.

لكن هذه الكلاسيكيات لا تنحصر داخل المفهوم الجمالي وحسب، بل تتحول عند هذا الفنان إلى مساحة لجملة من التعبيرات الجمالية، حيث يشحنها الفنان بطاقات عاطفية.

وشحنات تأخذ المتلقي إلى الكثير من المناطق الحميمية في ذاكرته الخاصة، وفي علاقته مع الأمكنة والمشاهدات البصرية العالقة في المخيلة، ومن هنا فإن هذه الأعمال إضافة إلى محتوياتها الفنية، نجدها تستند إلى طاقة استعادية.

وإلى مساجلات بصرية في عملية الربط بين المكونات والعناصر أو التحكم في الكتل والأحجام وفق حضورها المكاني في مساحات العمل والتي غالباً ما تكون واسعة، ومنطقه من زوايا رؤيوية تشبه النوافذ المطلة على العالم، وفي الوقت نفسه نجد الانطلاق من المساحة الكبيرة نحو نقاط جزئية ومركزة.

يبني كرمنشاهي أعماله التجريدية على حالة من التوتر اللوني، بحيث تصير اللوحة نقطة التقاء لجملة من العناصر المتناقضة والمتقدة، ويحاول بطريقة أو بأخرى أن يجانس بين كل هذه التوترات في إيقاعية تضبط مفردات العمل.

وتخلق تلك اللحمة ووحدة الحال الذي يفرض حضوره على غالبية الأعمال، رغم الانطباع الأول الذي تمليه، بوجود حالة من التشظي، والانفلات العبثي لمكنونات الأعمال ولذلك حيث يطلق على إحدى لوحاته عنوان «الفوضى» فإنه من دون شك يأخذنا في لعبته القائمة على تحدي هذه الفوضى، أو ما يمكن تسميته إن جاز التعبير الفوضى المنظمة.

تنطلق لوحة هذا الفنان من نقطة مركزية هي بمثابة النواة التي تنبني عليها مجموعة العلاقات البصرية الجدلية، بين الكتل اللونية التي يقترحها الفنان حيوية، وقائمة على الضربات التي تأخذ في كثير من الأحيان مناخاً دائرياً.

أو تغاير هذا المناخ، بشكل لا يلغي أو ينفي تلك العلاقة العضوية بين نقطة البداية «النواة» وبين النهاية التي يتركها في لحظات منفلتة ومتمردة على إمكانية تطويعها، وفي لحظات نراها منضبطة، ومسيرة وفق خطة بصرية وإيقاعية مدروسة وممنهجة.

تجريديات هذا الفنان مناسبة للاحتفاء باللون، حين يصير أداة للبوح المكثف، والدلالي، ولأن خلف هذه التجريدات فناناً مسيطراً على أدواته، فإن كل ما نراه أمامنا هو بالضرورة مرتبط بحالة بحثية، تشريحية.

وانتقائية للموضوع وللفكرة، فنجد مثلاً في إحدى لوحاته التي عنوانها علاقات قطعة فنية مبنية على فكرة الجدل والتقاطعات التي يمكن لها أن تجمع جملة من المتناقضات في المتن الدلالي للعمل.

بحيث تبرز الكتل والضربات اللونية في تشريحية واضحة للون باعتباره مفرداً، ولجملة الألوان الأخرى في حالتها الجماعية نحو تلك النتائج المثيرة للتواترات والتداعيات.

وفي مكان آخر نراه يطلق العنان لمخيلته في بناء سلسلة من العوالم البصرية، المحكومة بالوهج، والرصد الدقيق للتداعيات الذاتية وفي الوقت نفسه نجد انتفاء التبرير أو الأسباب التي أوصلت اللوحة إلى ما هي عليه، بحيث تصير اللوحة دون بداية أو نهاية، دون موضوع محدد، بقدر ما هي لعبة، قائمة على التحدي والتحرر، والمغامرة.

وبصورة عامة فإن هذا المعرض الفردي للفنان محسن كرمنشاهي والذي يجيء ضمن العشرات من المعارض الفردية والجماعية التي شارك فيها على مدى السنوات المنصرمة في العديد من الدول والتجمعات التشكيلية.

يمثل مناسبة للتعرف على تجربة تستحق الاحترام، خاصة وأنها تجربة واعية، وغير مدعية، وبعيدة عن أدنى ادعائية، بقدر ما هي حالة من البوح بشتى الأشكال المتوفرة للتعبير عن هذا البوح.

حازم سليمان