كان وكيلا لوزارة الثقافة العام 88 و89، ثم معاونا لوزير الإعلام العام 2005، وكان مدير تحرير الأهرام الأسبوعية، ورئيس تحرير جريدة الأهرام ابدو الأسبوعية الصادرة بالفرنسية، لكنه ترك تلك المواقع بالاستقالة. كاتب مسرحي وروائي، ناقد ومترجم. حاول التفرغ للكتابة والإبداع لكن الشأن العام ظل يلح عليه ليجد نفسه مجددا في موقع تنفيذي. التقته «البيان» في حوار تحدث فيه عن اطلاعه على الآداب الغربية، وما يميل إليه ويفضله منها، وعن دور المثقف، وعما كانت الثقافة العربية صامتة عن الفعل الحضاري، وعن علاقة الأديب والسلطة، وأيهما أصلح لدور الآخر، وعن موقفه من الإعلان عن نهاية المثقف، كما تناول الحوار قناعته في مواقف اتحادات الكتاب العربية في مواجهة التحديات، وعن معارك المثقفين. وتاليا نص الحوار.
حيث تحدث في البداية عن اطلاعه على الآداب موضحاً بالقول: كل الآداب العالمية تشكل لي اهتماماً، ومنها الأدب الانجليزي وذلك بسبب دراستي الأساسية في القاهرة، وأكملت الدراسات العليا في بريطانيا بدراسة شكسبير، وبسبب إجادتي الفرنسية فقد أتاحت لي الاطلاع على الأدب الفرنسي. والمرء بلغتين رئيسيتين يمكنه الاطلاع على الأدب، ويفتح له آفاقاً واسعة على كل الآداب العالمية، وككاتب مسرحي، استطيع القول إنه ليس هناك كاتب مسرحي ذو شأن في العالم إلا وقرأت له، حتى لو لم اقرأ جميع كتبه، لكني قرأت ما يكفي للوقوف على خصائصه الفنية وأسلوبه المسرحي.
وأضاف: قرأت في الأدب.. التراجيديا الإغريقية أو الكوميديا الرومانية، مروراً بالمسرح الكلاسيكي لشكسبير الانجليزي، أو لوركا الاسباني، أو موليير الفرنسي إلى العصر الحديث ابتداء من ابسن واسترندبيرج إلى مسرح العبث الذي ذاع صيته في الخمسينات من أواسط القرن الماضي.
أما بعيدا عن المسرح فأكثر ما قرأت الرواية والقصة القصيرة يليها الشعر. لكن يصعب أن أفضل أدب لغة بعينها على أدب لغة أخرى، فالوحدة عندي ليست وحدة اللغة إنما وحدة الكاتب، بمعنى أنني قد أفضل كاتبا معينا في لغة معينة، ولا أفضل بقية زملائه الذين يكتبون باللغة نفسها، هذا عن الآداب الغربية التي تسالني عنها، لكني اعتقد أن الأديب لا يستطيع أن يزدهر وتعلو فروعه ما لم تكن جذوره مثل الشجرة، ضاربة في ارض الواقع الذي نبتت فيه، لذلك فقراءاتي في المسرح العربي منذ البدء على يد يعقوب صنوع، وتبلور بقلم توفيق الحكيم ليصل إلى انتشاره الحالي، هو قاعدة أساسية لقراءاتي في المسرح. الشيء نفسه ينطبق على الرواية والقصة.
وحول سعي المثقف إلى السلطة يقول السلماوي: سعي المثقف الى السلطة في عالمنا العربي يقوم على فهم مغلوط لدوره في المجتمع، ويعتمد على ازدواجية غريبة، فالمثقف بطبيعته هو ند للسلطة السياسية، والعلاقة بين السلطة والمثقف تحت جميع الأنظمة السياسية - يمينية كانت أو يسارية - هي علاقة تبعية، فرجل السياسة هو رجل العمل التنفيذي، الذي يتصور انه يعرف ما ينبغي عمله، وليس لديه الاستعداد لكي يتوقف عن الانجاز ويناقش سياساته، ويتم حولها الجدل، والمثقف بالنسبة له هو قوة معطلة عن هذا الانجاز، لذلك فهو يرتاب حتى يصل الى مرحلة معاداته بل واعتقاله، وهو في أحسن الحالات يتعايش مع حكم الضرورة.
أما المثقف فهو الذي لا يأخذ الأشياء على علاّتها، بل يخضع كل شيء للمناقشة والتقييم، ولا يجد أن من واجبه أن يسير في الركب، لمجرد أن هذا هو الخط الرسمي، ومن ثم، فهو يضع السياسي دائما تحت الاختبار، لكن العلاقة بين المثقف والسلطة في عالمنا العربي، علاقة مختلفة، فالسلطة تحاول دائما إخضاع المثقف أو احتوائه، والمثقف يتذبذب ما بين محاولة اللحاق بركب السلطة، أو رفض كل ما يصدر عنها بلا بحث ولا مناقشة، وهو مخطئ في الحالتين، مثلما السلطة أيضا مخطئة. إن ما يفيد المجتمع هو أن تظل تلك العلاقة الجدلية قائمة بين المثقف والسلطة، بحيث يقوم المثقف بدوره في مناقشة السلطة في توجهاتها، وتؤمن السلطة بضرورة إقامة هذا الجدل البناء مع المثقف، لكني ابحث عن مثل هذا الوضع في عالمنا العربي فلا أجده إلا نادرا، وفي حالات استثنائية.
وعن صمت الثقافة العربية يؤكد سلماوي ب: نعم الثقافة العربية صمتت طويلا عن الفعل الحضاري، ولقد كان لها عذرها في الماضي، لأنها اضطُهٍدَت وُطورٍدَت واعتُقلت وعُذبت ومات البعض منها في السجون، لكن الوضع الآن قد تغير بما يسمح بأن تقوم الثقافة بدورها في استشراف المستقبل الذي تتطلع إليه الجماهير، لكن أجد المثقفين وكأنهم قد تركوا هذه المهمة بالكامل لرجال السياسة وحدهم، وهي مهمة اخطر من أن تترك لهؤلاء.
إن على المثقفين أن يقودوا ركب التقدم والتحديث إذا كان لهذه الأمة أن تخطو الى القرن الواحد والعشرين، الذي لم تدخله بعد، فالأمم العظيمة لا تتحقق انطلاقاتها برجال السياسة، وإنما برجال الفكر الذين يلهمون الساسة، مثلما حدث مع الثورة الفرنسية بكتابات فولتير ومونتسكيو وغيرهما، ومثلما حدث مع الثورة المصرية عام 52، والتي نعرف جميعا أن كتاب عودة الروح لتوفيق الحكيم كان احد مصادر إلهامها، فكيف لنا الآن أن نتقدم بأمتنا العربية معتمدين فقط على اتفاقيات الجات، وسياسة الاقتصاد الحر، وما الى ذلك.
إن المستقبل ستصوغه أفكار الكتاب وإبداعات المثقفين، وقد آن لنا أن نقوم بهذا الدور الذي أتصور انه ما زال يبحث عمن يقوم به، وعلينا أن نتفهم الوضع الصعب الذي يجد المثقف نفسه فيه في الفترة الحالية، فهو أسير لمثلث حصار محكم، يتكون من أضلاع ثلاثة، الضلع الأول هو السلطة بقوانينها المقيدة للحريات، والتي مازال لدينا الكثير منها في العالم العربي، مما يحد من الانطلاق الفكري في المجتمع، والضلع الثاني هو تلك الردة الدينية المتخلفة، التي تحد هي الأخرى من حرية الفكر والإبداع، والتي في كثير من الأحيان لا تتعامل مع المثقف بالقوانين الاستثنائية مثل السلطة، وإنما بالعنف والقتل والإرهاب، فالسكين التي ضربت عنق أديبنا الأكبر نجيب محفوظ، لم تأت من السلطة، وإنما من قوى الظلام التي تتشح بالإسلام.
أما الضلع الثالث، فهو التخلف الفكري والاجتماعي الذي يسود مجتمعاتنا العربية، والذي حتى من عينة قهر السلطة أو إرهاب التطرف الديني لايسمح بانطلاق الفكر متعللا بضرورة الحفاظ على التقاليد والأعراف، وعدم الخروج عليها، بينما الثقافة والفن في جانب منها هي تحد ومواجهة بما يسمى التقاليد والأعراف، والتي هي بطبيعتها زائلة ومتغيرة، ولا ينبغي التعامل معها كثوابت مقدسة، فتقاليد آبائنا منذ خمسين عاما ليست هي تقاليدنا اليوم، وتقاليدنا اليوم لن تكون هي تقاليد أبنائنا بعد عقدين من الزمن.
إذن على المثقف أن يفك هذا الحصار الذي يفرضه عليه مثلث القهر هذا، فهو وضع فريد في العالم فقد نجد في المجتمعات الأخرى ضلعا أو آخر من هذا المثلث، لكن أن يواجه المثقف الأضلاع الثلاثة معا فهنا الفرادة والصعوبة. لكن سلماوي ينفي نهاية المثقف قائلا: أنا لست مع القول بان المثقف قد انتهى، فهذا فهم خاطئ لطبيعة الحياة ولطبيعة المجتمعات الإنسانية، وليس هناك مجتمع إنساني يقوم من دون وجود مثقف، قد يتراجع دور المثقف بعض الشيء في فترات، ويتقدم في فترات أخرى، وقد يقهر المثقف في مراحل، ويتم تقديره في مراحل أخرى، لكنه في جميع الأحوال يحارب معاركه، ويفتح آفاق المستقبل.
ويرى النجم الثاقب في سماء الظلمات ينير الطريق للمجتمع، ويحدد اتجاه المستقبل، ومن دون ذلك لا يقوم المجتمع، وهنا يأتي دور اتحادات الكتاب العربية فدورها اليوم ليس فقط الحفاظ على حقوق أعضائها من الكتاب أسوة ببقية التشكيلات النقابية في المجتمع، وإنما عليها أن تدافع عن وجود المثقف، وان ترتقي بمكانته في المجتمع، وان تنشر الوعي.. بأن الكاتب والمفكر والمثقف هو المصباح الكاشف في هذه الظلمة التي نعيشها الآن، إذا كان لنا أن نلحق بركب التقدم الذي تخلفنا عنه طويلا، وفي ذلك فان التضامن والتكامل والتعاون بين الاتحادات العربية المختلفة أصبح ضرورة ملحة، فلم يعد يكفي أن يكون في وطننا العربي المترامي الأطراف هذا، والذي يزيد عدد مثقفيه عن تعداد دول أخرى بأكملها..
أقول لم يعد يكفي أن يكون هناك في هذا الوطن العربي الكبير خمسة عشر اتحادا فقط، بعضها لم يرق بعد الى مستوى الاتحاد، بل هو رابطة أو حتى أسرة، إنني أدعو جميع الكتاب والمثقفين الى تأسيس اتحادات في الدول التي لم تقم فيها مثل هذه الاتحادات بعد، وان ترتقي بالروابط والأسر الى مستوى الاتحاد، حتى تصير لنا شوكة في مجتمعاتنا العربية، وحتى نصل الى المكانة التي نستطيع أن نفيد بها المجتمع عن طريق القيام بالدور المناط بنا.
وأنا أرى أن هناك تكاملا بين الاهتمام - وأقول هنا اهتمام من الهم - بالشأن العام وبالإبداع، وان كنت قد تبوأت بعض المواقع التنفيذية - وكيلا لوزارة الثقافة ، أومعاونا لوزير الإعلام، أومدير تحرير الأهرام ويكلي، أو رئيس تحرير الأهرام ابدو الصادرة بالفرنسية ـ وإذا كنت قد تبوأت هذه المواقع بسبب اهتمامي بالشأن العام، لكني خرجت منها بالاستقالة متصورا بأنني سأتمكن من تكريس وقتي للكتابة والإبداع، لكن عادة ما كان يلح علي الشأن العام مجددا فأجد نفسي في موقع تنفيذي آخر، مثلما الآن أترأس اتحاد كتاب مصر. والحقيقة هي أن الهم العام لا ينفصل عن الثقافة، وان الأدب لا ينفصل عن السياسة فالأدب في نهاية الأمر هو موقف، وهو رسالة، وهو ثورة.
والأدب من دون هذا المضمون يتحول الى زخرف، كما أن السياسة بلا بعد ثقافي، هي إجراءات صامتة قاسية لا إنسانية فيها، ونحن نعاني بعضاً من هذا في عالمنا العربي، فأنا مثلا حين كتبت رواية (الخرز الملون) كان موضوعها هو الصراع العربي الإسرائيلي الذي هو الهم الأكبر في حياتنا، وقد تعرضت له من خلال قصة البطلة التي تمتد من عام النكبة الأولى 48 الى النكبة الثانية في كامب ديفيد 79، وحين كتبت (ثنائية سالومي) من خلال مسرحيتي (سالومي ورقصة سالومي الأخيرة) كان موضوعها هو الصراع بين الصهيونية والقومية العربية، وحين كتبت مسرحية (القاتل خارج السجن) كان موضوعها هو القهر السياسي وحرية المواطن في مواجهة السلطة، وحين كتبت مسرحية (الجنزير) كان موضوعها هو الإرهاب الذي يرتكب باسم الدين. فانا لا أرى أن الأدب يمكن أن ينعزل عن المجتمع وقضاياه الملحة، وهذا يؤكد ويرتبط مرة أخرى بدور المثقف في المجتمع.
حوار: فاطمة محمد الهديدي