ما الذي يجعل من الحدث الثقافي أمراً مهماً يمكن ان يثير عامة الناس ويجذبهم إلى متابعته؟ كيف يمكن لمعرض فني أو محاضرة أو ندوة أو أمسية شعرية ان تلفت انتباه الناس.؟ وإذا ما قمنا بتنظيم تظاهرة ثقافية مهمة جدا من الناحية الفكرية ولم يحضرها أحد ولم تلتفت إليها حتى الفئة المستهدفة ، كيف سنفسر حالة اللامبالاة العامة لهذه الأنشطة؟

هذه حالات وأسئلة قريبة من واقع الثقافة عندنا عربيا، حيث تتحول اللامبالاة العامة إلى (قوة صامتة) تعيق تقدم التاريخ على حد وصف جين بوديلارد، وكل حدث ثقافي مهما كان حجمه يخسر باستمرار اقرب جمهوره في ظاهرة تاريخية تشبه الموت أو التراجع القسري للثقافة لصالح بروز أنماط .

وأهواء ومغريات جديدة من الأشكال والطروحات الثقافية التي ربما لا نرصدها حاليا لكنها تتشكل تحت الرماد وتعيد تجميع ذاتها لتخرج لنا في أشكال وأنماط جديدة يوميا وعلينا القبول والأخذ بها.

الطغيان الكبير لقيم التكنولوجيا وثورة المعلومات احدث شرخا كبيرا في النسيج التقليدي لأشكال العمل الثقافي والإبداعي، لكننا مجبرون على النظر إلى هذا الشرخ من الزوايا الايجابية ورصد الثراء الكبير الذي أتاحته صنوف المعرفة الجديدة لإعادة إنتاج إبداعنا وحراكنا وعملنا الثقافي بلغة معاصرة متجددة باستمرار.. فالقيم الثقافية الجوهرية لا تموت مهما تبدل الزمن.

وإنما الإشكال الدائم يكمن في قدرة الإنسان المبدع على التعبير وإعادة التعبير من خلال أدوات المعرفة الجديدة وأبرزها تكنولوجيا المعرفة وما يتولد منها كل يوم من ثورات وابتكارات في حقول تسهم في إعادة إنتاج مقولات الثقافة بأفق جديد..

وعلينا النظر إلى هذه الثورات باعتبارها فاتحة لمنافذ جديدة نحو الحرية في التفكير والإبداع والبوح وفرصة للخلاص الأبدي من الرقيب والحارس القديم على اللغة والتعبير، ومساحة للتواصل الحر بين من يحملون سؤال الثقافة الحقيقي بعيدا عن التنظيم الرسمي للملتقيات الثقافية التي تكون عادة مغلفة بهالة من الخوف والالتزام والنمطية.

لا يمكن تفسير لا مبالاة العامة بالأنشطة الثقافية إلا بأنه قصور في طريقة عرض وتقديم المادة الثقافية والإبداعية، فالشعر العربي المعاصر في معظمه لا يزال يعتمد شكل المنبر والكراسي، والمحاضرات النقدية أو تلك المخصصة لطرح قضايا الإبداع لا تزال تعتمد القراءة الصوتية الرتيبة للمحاضر في صالة هادئة.

أم جمهور يصغي بصمت في غياب أي شكل من العوامل المساعدة أو حتى فن إلقاء المحاضرات بما يقود إلى حالة من الخدر التي تصيب المستمعين، وهذه الحالة تتكرر في بقية الأنشطة الثقافية،.

بينما في مؤتمرات وندوات الاقتصاد والأعمال والطب وغيرها، نجد الشاشات الضخمة ومكبرات الصوت والمؤثرات والرسوم المساعدة والنظام والمنهجية والتسلسل في عرض المادة العلمية أو النظرية، وبعضهم يقوم بتوزيع ملخصات ورؤوس أقلام على كل الجالسين بما يشبه الورشة العلمية التي يخرج منها الجميع بأقصى استفادة ممكنة.

مع إشراقة كل شمس تجدد الحياة نفسها.. ومهمة العقل في كل صباح ان ينثر عن نفسه مقولات موت التاريخ وانهيار الحضارة، وان يلتفت إلى الضوء الذي يظل يسري في الأشياء والكائنات والكلمات ويراقب قدرتها الفائقة على التوالد باستمرار في أشكال جديدة تعيد بناء المعرفة وترفع معمارها طبقة بعد طبقة.

akhozam@yahoo.com