بتسللها إلى حياتنا المعاصرة، هل تزلزل الرومانطيقية المبادئ التي تقوم عليها فلسفة ما بعد الحداثة التي نعيش تفاصيلها اليوم.
ربما كان «وليام بليك» الأكثر تعبيراً عما ينبغي لك أن تراه
أن ترى العالم في حبة رمل
وسماءً في زهرة برية
أن تمسك باللانهاية في راحة يدك
والأزلية في ساعة
تبقى صورة كل من الشاعر، والكاتب، والفنان محفورة في ذاكرة الآخرين. حيث يجسد هؤلاء كلهم القيم التي يدين لها الناس بالولاء؛ ومما لاشك فيه فإن هؤلاء قد كتب عليهم أن يمثلوا جوهر الإخلاص والتلقائية، الكمال والتفاني في الوقت ذاته. إضافة إلى أنه ينبغي لنا الوعي، بحاجة هؤلاء لأن يتمتعوا بروح الأصالة والإبداع.
وفيما نحن نأمل ونتمنى أن يجد كتابنا المعاصرون من الإبداع ما يمكنهم إضافته، فإننا من الجانب الآخر لا نريد منهم أن يكرروا النماذج والأخلاقيات التي ورثوها عن غيرهم.
لا نريد منهم أن يحفظوا وأن يقلدوا ما كتبه أسلافهم. إذ لا جدال في أن نهاية مرعبة تنتظر كل من تسول له نفسه الإقدام على خطيئة كالإنتحال. أو ما يمكن أن تسميه الإشكالية الرئيسية للكتابة المعاصرة.
إن الانتصار العظيم للكاتب، يكمن في قدرته على التعبير عن مشاعره بتلقائية واستقلاليته، بالتزامه بما يمليه عليه دور المراقب عوضاً عن المشاركة المباشرة فيما يصنع من أحداث. وعلى الرغم من أن أي كاتب هو في الواقع فرد من أفراد مجتمعه، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إلغاءه لهذا الدور الحيوي.
وعلى الرغم مما هو متاح أمامه، من حرية التعبير عن آرائه الاجتماعية والسياسية وتشجيعه على المضي في ذلك. بالتعبير عما يواجهه من مضايقات حياتية يومية، وبالكتابة الروائية أو الشعرية ذات العلاقة بالمرحلة.
إلا أن الأولوية لا بد من أن تكون لصالح ملاحظاته الشخصية الدقيقة ومعرفته الواسعة؛ إذ أن الكتابة ينبغي لها أن تكون، وليدة تجربة شخصية، أكثر من أي شيء. علاوة على أنه ينبغي للمؤلف أن «يعبر» عن هذه التجربة بأسلوب متميز جدير بأن يخلد. لذا فإن هنالك الكثير مما يحرض على الكتابة في موضوعات قد تبدو محرمة، ومع ذلك يقبل من الكاتب ما لا يقبل من غيره.
لقد كان الكتاب، وما زالوا، يحظون بالشهرة - في مجتمعات يؤرقها مفهوم الشهرة في الأساس، مما قد يبرر التغاضي عن بعض التجاوزات التي يصنعونها أحياناً. وعلى الرغم من أن حياة هؤلاء قد تكون مقرونة بالبؤس، أو التوحد والعزلة.
إلا أن ذلك لا يمكن النظر إليه إلا كجزء من الثمن الذي يدفعونه مقابل عبقرية أي منهم. إن شيئاً كالمعاناة يبدو أمراً مستفاداً منه. إضافة إلى أن العبقرية تبدو في حد ذاتها تعبيراً يمكن توظيفه في كثير من الأحيان.
إن العبقري ما هو إلا شخصية تتجاوز حدود المألوف. شخصية تحمل على عاتقها رسالة استثنائية قد يهمه وقد لا يهمه توصيلها للآخرين. أياً كان فهو شخص يحمل بين جناحيه رسالة.
غير أن هذه الحقيقة أصبحت تحل محلها حقيقة أخرى معاصرة. في القرن المنصرم، القرن العشرين، كانت الجامعات حريصة على أن تضمن مناهجها الدراسية «جرعة كافية» من الموضوعات ذات الطابع التقليدي الذي يدرب طلابها على القواعد الأساسية للكتابة، كانت معظمها نصوصاً روائية. فيما كان مؤلفوها مزيجاً من المثاليين والخياليين، من الذين تحتاج أعمالهم إلى قراءة دقيقة وتحليل أعمق.
لو نظرنا إلى هذه الجزئيات بمجملها لاكتشفنا أنها من الموضوعات المألوفة بالنسبة لنا، المتجلية في غالبية ما أصبحنا نطلق عليه المناقشات التي تدور حول ما يسمى «الكتابة الإبداعية».
وعلى الرغم من أن هذه المناقشات الإبداعية ليست أشياء مظللة في كل الأوقات إلا أنها لا تزال من الأمور الشرطية المؤقتة في حياتنا الثقافية، أخذاً بعين الإعتبار أنها على الرغم من مرورها على أجيال وأجيال من القراء والمعلمين، على نحو يجعلها تبدو قريبة الشبه بالأمثال المتوارثة بالنسبة للإنسان المعاصر.
إلا أنها في واقع الأمر مما يتصل اتصالاً وثيقاً بمرحلة محددة من مراحل تاريخنا الثقافي الإنساني. إنها الإنبثاق الحقيقي لما صار يعرف لدينا اليوم «بالحقبة الرومانطيقية».
إن ما نريد أن نؤمن به، في حقيقة الأمر هو، أننا نعيش في عالم مأهول بالبشر أكثر منه بالقواعد والأنظمة. إن ذلك هو الآخر، جزء من موروثنا الرومانطيقي.
إن لدينا من الإيمان الراسخ ما يحملنا على الإيمان بالذات كمصدر لكل القيم. لدينا الاعتقاد القوي بأهمية النضال على مستوى حياتنا الشخصية. والإقرار التام بقيمة كل من الخيال واللاوعي وأحلام اليقظة في حياتنا الإنسانية. إن هذه، هي الأخرى، من المبادئ التي أشارت إليها الثورة الرومانطيقية في بداياتها.
على الرغم من أن جذور الحركة الرومانطيقية أو نشأتها عموماً لا تزال مثيرة للجدل إلى حد ما. حيث يمكن العثور عليها في كتابات مؤلفين من أمثال روسو، وجوته كما يمكن العثور عليها في كتابات كل من بليك، وشيللر، وتشاترتون.
وقبل أن نعرج على مجموعة من أعظم الشعراء الرومانتطيقيين بما في ذلك بليك، ووردسورث، وشيلي، وكوليرج، وكيتس وبيرون، بودنا أن نتوقف كي نتساءل... لماذا لا تجد أسماء مثل سير وولترسكوت، وآل برونتي مكانها بين هذه الكوكبة من مبدعي الرومانطيقية؟
تجسد عبقرية هذا الشاعر وعياً استثنائياً بالحياة حتى أن توجهاته الراديكالية لم يتم استيعابها بشكل صحيح إلا في مطلع القرن العشرين. كان بليك قد أسس لبداية جديدة في «الراديكالية الشعرية»، كما يمكن اعتباره الجد الأول لشعراء من أمثال، والت وايتمان.
وألين غنسبيرغ. كان يكتب الشعر الغنائي، والملاحم والدراما الشعرية. وكلها من الأعمال التي تمجد الواقعية الروحية، وتعيد تحديد المفاهيم المتعلقة بالخيال الإنساني متجاوزة المفاهيم الكلاسيكية التقليدية.
بقلم: بيتر أكرويد
ترجمة: مريم جمعه فرج