يهدي الشاعر الإماراتي سعد جمعة مجموعته الشعرية الصادرة أخيراً عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمان إلى «الأشياء الحميمة حين ترقص في العلن» وهو بذلك ومن اللحظة الأولى يقدم لنا إشارة واضحة ومباشرة إلى أن هذه التجربة تحتفي بالحياة.
كما هي الحال عند سعد جمعة الذي لا يتوقف عن الاحتفاء بهذه الحياة، وهي أيضاً انتقاء للمعاني الجوهرية التي يراها الشاعر في هذه الحياة، هي بحث في الحميمية، حميمية الذات والأشياء، استخراج لها من ركنها الضيق، ومن خجل البوح بها إلى الضوء والنور، بنمو يتصادم مع كائنات هذا الزمن المواربة، والمستترة، والتي تتعاطى مع الحميمية كنقيصة أو كأشياء معيبة.
بدأ سعد جمعة مع الراقص عام 2000 وها هو يعود اليوم مع «دون مرآة ولا قفص» وبين هاتين التجربتين ثمة ما طرأ على تجربة هذا الشاعر، خاصة لناحية قوة الملاحظة.
واكتشاف مكامن جديدة في اللحظة الإنسانية التي يميل سعد جمعة إلى اقتحامها حتى ولو كانت ليست له، فالأشياء التي تعبر من حوله، والأشخاص والأمكنة تتحول إلى ملكية خاصة.
وإلى حقائق موثقة في الحملة الشعرية، التي تولد عنده من الحياة، تخرج منها وتعود إليها، في حركة متواصلة ومتلاحقة، يسكنها القلق، والخوف، والأسئلة التي ليس لأحد أن يجيب عليها، لأن الأجوبة هي مقتل الأسئلة، وهي المصيدة الوحشية للدهشة الكامنة في الغرابة.
إن الطارئ على تجربة سعد جمعة الجديدة ليس انقلاباً على ما مضى، وليس هجراً لفتنة النص الأول، بل تأكيداً عليه، وفق تيمات جديدة، وتعميق للجملة التي صارت تأخذ حضورها، وتفرض سطوتها، رغم أنها لا تخرج عن كونها جملة مقتطعة من الحياة، صورة لا ينظر إليها إلا الشاعر «بقعة الأيس كريم على القميص».
وهو من جديد يؤكد على أنه شاعر مدينة، يتنقل بين طرقاتها العريضة، يطرده سائقو سياراتها الأجرة في منتصف الطريق بين رأس الخيمة ودبي، يضيع بين الطاولات والنادلات، والكائنات والأمكنة، عالم كامل من القسوة الجميلة والمضحكة، فقط لأنه قرر أن يجوب البلاد رافعاً راية الأشياء المغدورة .
كما يقول هذه القسوة المعلنة حيناً والمبطنة في أحيان كثيرة، لا تدفع الشاعر إلى اليأس من الحياة، بل إلى الخوف عليها والتمسك بها أكثر وأكثر فالموت الماثل في غالبية القصائد يحاصر، ويضغط، ويحصي الخطى، ويعلن أن كل العبث كامن في هذا الفرح المسحور.
وأن الحياة لا يُفاوض عليها إلا بالأمل، «سوف نموت جميعاً وتبقى الأمكنة يرعاها غيرنا»، لكن ثمة من سيكسر باب المقبرة، من سيحررها ويعطي لكل هؤلاء فرصة لفعل شيء ما، حتى ولو بعد فوات الأوان.
لا تنبني قصيدة سعد جمعة حتى الطويلة منها على الضرورات التي تمليها الحرفة أحياناً، بل هي قصيدة تخرج دفعة واحدة، تنبعث في تلك اللحظات السرية، أو كنتيجة لما حدث، الأمر الذي يعطيها تلك الدفقة من الشحنات العاطفية ويسكن فيها الروح والحياة، القصيدة تولد لديه من بين كل هذا الزحام والصخب، تخرج ظل النادل على الكؤوس، وما بين أصابع البائعات، من بقايا الذاكرة .
ومن وجوه النساء العابرات، وحيث لا يكون كل هؤلاء لا يكون سعد جمعة، لأن قوة القصيدة لديه تكمن في كل هذه التفاصيل، في عالم الأشياء المهملة التي قلما ينظر إليها الناس الذين يتركون خلفهم كل هذه الحكايا. والمواجع المؤجلة، بشر يتسلون بقتل «الوقت الذي له وجه»، يرى قاتليه، وها هو الشاعر جالس في مكان ما يحدق أو كما يقول:
«أعتقد أني حدقت في كل الأرواح/ كما لم يحدق هنري ميلر»، هكذا هم جميعاً يعيشون طقوس غفلتهم أن يدركوا الحكمة المستترة «أن الذهاب بلا عودة أبداً».
يجعل الشاعر نفسه في هذه المجموعة شاهداً وموثقاً لما يدور من حوله، هو الشخص الذي يرى ولا يُرى، وهو الذي يراهن أن يبقى في الظل لأنه شاعر، ولأن القصيدة النيرة لا تُرى إلا في القيمة، ولذلك يقول سعد جمعة في قصيدة من تلك السنين «لقد اجتهدت كثيراً/ كي لا يعرفني أحد/ اجتهدت أن أختفي/ أن أذوب/ أصير ضوءاً حاراً جداً/ لا يُلمس ولا يلتفت إليه/.
هذه الرغبة المملة في أن يبقى في الظل، تشبه التضحية الكبرى لتمضي القصيدة إلى النور، وحدها، بهية، ومستقلة، لا تموت، ولا يغتالها أحد، ثمة دفاع مستميت عن هذه القصيدة، وإفناء لذات كاتبها الذي يعتريه الخوف الدائم ولذلك نراه يسترق النظر، إلى خرابه وخراب الآخرين، إذاً الحياة الأزلية للقصيدة، والديمومة لها.
والشاعر الذي أكله السمك بعد أن اعتقد أن اليوم أجمل من الأمس يجيب على السؤال المؤرق: «ما الذي تضعه عندما تضيع تقنية الكتابة؟ لا شيء، أضع القلم وأتأمل في السماء».
ينظر سعد جمعة إلى السماء كثيراً ولا أعرف السبب، يا ترى ما الذي يجده هناك في ذلك الاتساع،؟ وهو الابن الشرعي للأماكن الضيقة، وهو الذي لا يأتيه الوحي من الأعلى، بل من الأسفل وفقط من الأسفل، حيث تلتمع عيونه، ويضيع بين أشجار المدينة المقلمة، مدينة تضيق كثيراً كلما اتسعت الرؤيا.
عبر مئة صفحة من القطع المتوسط، تتوزع فيها القصائد التي تزيد على الأربعين قصيدة وتنقسم إلى أربعة مفاصل وأجزاء، يطل سعد جمعة من جديد، يرفع قبعته لنا .
وهي غير موجودة طبعاً، لكنه يرفعها كتحية جديدة وكأنه يقول ها أنا الشاعر الذي تعتقدون أنه نسي نفسه هناك، أعود من جديد، لأعلن بياضي الذي وهبته لكم، لأصير كما هو الليل غامض، موارب، فيه ما يكفي لافتعال كارثة.
حازم سليمان