الحقيقة الخالية من المجاملات والإيحاءات والإيماءات هي أنه إذا أقيمت بطولة الأمم الإفريقية رقم 25 في أي بلد غير مصر.. ما تأهل منتخب مصر للدور قبل النهائي.

السبب الأساسي والجوهري أن المنتخب المصري ليس بين أفضل أربعة فرق وصلت إلى المربع الذهبي. وإنما عوضت الأرض والجماهير الغفيرة الكثير من أوجه النقص الفني في الصفوف.

يحلو للبعض أن يردد أحياناً أن الأرض لا تلعب مع أصحابها إلا نادراً.. وأرى أن الأرض تلعب مع أصحابها غالباً. خاصة إذا كان التشجيع بهذه الصورة الرهيبة مع منتخب مصر في البطولة الإفريقية.

قبل أن تبدأ البطولة كان الإحباط يسود أروقة الشارع الكروي المصري لأسباب كثيرة، منها عدم الثقة في قدرات وإمكانات حسن شحاتة، ولغياب أكثر من عنصر فعال ومؤثر للإصابة مثل عماد النحاس وحسني عبدربه، وللمناخ العامر بالأزمات والمشكلات لفترات طويلة بين مرتضى منصور رئيس الزمالك السابق وبين الأهلي بصفة خاصة.

كان كل شيء ينذر بمخاطر لا تتعلق بمصير المنتخب فقط، وإنما بمستقبل التنظيم عموماً. وإذا بأوضاع كثيرة تتغير إلى الأفضل.. والسبب هو الجمهور.

خرجت هذه الجماهير من مباراة ليبيا في الافتتاح وهي سعيدة بالفوز 3/صفر، ولكنها تحفظت على الأداء ورأت أنه غير مقنع.. ومع ذلك أقبلت على مباراة المغرب في الجولة الثانية وشجعت بجنون، ورغم ان الفوز لم يتحقق وانتهى اللقاء بالتعادل السلبي إلا أنها زحفت بصورة أكبر لمباراة كوت ديفوار وكانت وراء الفوز 3/1.

بالفعل لم يكن الفريق المصري أفضل كثيراً من كوت ديفوار حتى يفوز بالثلاثة، والمتابع لسير المباراة يلمس ان الأداء والتنظيم في الملعب كان في صالح أفيال أبيدجان، ولكنها الروح التي دبت في اللاعبين وجعلتهم يقاتلون بشراسة إلى أن انتهت المباراة لصالحهم.

واستمر دور الجماهير أكثر وأكثر في مباراة دور الثمانية أمام الكونغو.. لقاء متواضع لا يرتقي للمستوى اللائق.. أخطاء ساذجة وتمريرات مقطوعة وأداء فردي رفضه الجمهور بتشجيعه غير العادي الذي يذكر اللاعبين بأنهم على أرضهم ولا بديل أمامهم إلا الفوز إلى أن تحقق بأربعة أهداف مقابل هدف واحد.

والعجيب أن يصل وعي الجماهير لدرجة أن تفرح بالأهداف الأربعة، في نفس الوقت الذي تتحفظ فيه على الأداء، وهو قمة النضج.

ما يقال عن المنتخب المصري في بطولة الأمم ينسحب على منتخبات كثيرة لا حصر لها. ولكن الجديد هو أن هناك تغييراً كبيراً حدث في شكل وطبيعة المشجع في مدرجات القاهرة.

بالأمس.. كانت الهتافات البذيئة وقلة الأدب والجليطة.. وكان المنظر العام «لا يسر عدواً ولا حبيب». لذلك عزفت الأسر والأهالي عن الذهاب إلى الملاعب.

اليوم.. الوضع اختلف،، والدليل الصور التي تبثها وكالات الأنباء لهذه التحفة الجماهيرية القائمة على الاحترام.. ولا يخفى على أحد أن دخول المرأة والبنت والأم إلى المدرجات زادت من قيمة المكان. لذلك يكون التأثير النفسي على اللاعب إيجابياً خاصة إذا اتسم أداؤه بالانضباط والالتزام.

بالفعل.. يعيش المصريون هذه الأيام حلماً ربما كان أكبر من إمكاناتهم، والأغلبية العظمى تعلم ذلك.. ومع ذلك إذا لم يتحقق ستكون الصدمة عنيفة لمن أصبحوا يترددون على المدرجات وهم لا يملكون أي خبرة بكرة القدم، ولكنهم يتعاملون معها بعواطفهم ومشاعرهم.

المهم.. هل ستستمر الأرض ـ بالجمهور طبعاً ـ تلعب مع أصحابها حتى النهاية؟

المؤكد هو أن هناك حدوداً لهذه المسألة، بمعنى أن الفوارق بين المنتخب المصري وبين كل الفرق التي لعب معها لم تكن كبيرة، ومالت بعضها للمنافسين في حدود، لذلك أمكن بالدفعات النفسية إحراز الفوز.

والمؤكد أيضاً هو أن مباراة السنغال الثلاثاء المقبل في الدور قبل النهائي ستكون أصعب.. ثم تصل الصعوبة إلى ذروتها في النهائي.

وتبقى الجملة الشهيرة: الأرض تلعب مع أصحابها من العبارات التاريخية لأنها بالتأكيد تلعب!!