احتفل العالم الاسباني والاسبانوفوني والعالم بشكل عام، خلال العام المنصرم، بذكرى مرور أربعمئة عام على ولادة «دون كيشوت» الشخصية الطريفة الغنية بالدلالات والرموز التي اخترعها الاسباني «ميغل دي سرفانتس» وصدرها الأدب الاسباني إلى أصقاع العالم كافة، بل لقد طغت شخصية «دون كيشوت» على شخصية «سرفانتس» وأصبحت أكثر شهرة منها.
كرس العام 2005 بكامله، للاحتفاء بهذه الشخصية الآسرة وأكثر مظاهر هذا الاحتفاء كان في موطنها أسبانيا وامتداداتها في أميركا الجنوبية ثم في بقية دول العالم، شملت الاحتفالات أكثر من ألفي تظاهرة ومعرض ومحاضرة، نظمتها وقادتها المراكز الثقافية الاسبانية «معاهد سرفانتس» المنتشرة في العالم،
من بينها مركز دمشق الذي نظم معرضا بهذه المناسبة، ومجموعة فعاليات أخرى، كان محورها الأساسي «دون كيشوت» الذي دخل ثقافات شعوب العالم من أبوابها العريضة، وأثر على آدابها وفنونها، وبحسب منظمة الأونيسكو، فقد ترجمت ملحمة «دون كيشوت» لمؤلفها «سرفانتس» الى مئة لغة عالمية،.
وصف «حامد بن نخلة» «دون كيشوت» بالقول: «كان سيد نبيل يعيش في ناحية من نواحي منطقة لامانشا من بلاد الاسبان، وكان هذا النبيل، الملقب بكيخادا أو كيسادا، أو كيخانا على أرجح الآراء، في الخمسين من عمره أو دونها قليلا، وكان طويلا، معروق الجسم، أعجف الوجه، يستيقظ باكراً وهو لا يكاد ينام لشديد ولعه بقراءة كتب الفروسية،
إذ يمضي أيامه كلها مكبا عليها حتى تحصل له علم غزير بكل ما تضمنته تلك الروايات الكثيرة، فحفظ أسماء أبطالها، وعرف مزايا كل منهم، كما عرف أخلاقهم، وعاداتهم، وأعمالهم، ومآثرهم، ومن قتل منهم، ومن أسعف، ومن أنقذ، ومن أحب، ومن كره، أجل لقد عرف كل شيء عن هؤلاء الأبطال الخياليين، فامتلأ رأسه بهم كما امتلأت داره برواياتهم،
فعاشوا في ذهنه أشخاصاً حقيقيين، وأغرم بالكثير منهم، وما زال الأمر به كذلك، حتى باع الكثير مما يملك من حقول القمح التي كانت تغل له الكثير ليشتري بأثمانها أمثال هذه الروايات، وبالتوازي كان يخسر بعض عقله كلما قرأ واحدة من هذه الروايات التي ما وضعها الواضعون،
وما تخيلها المتخيلون الا للتسلية وتزجية الوقت، بهذه الدقة والبراعة، رسم الكلمات «حامد بن نخلة» محارب طواحين الهواء «دون كيشوت» المعروف في ثقافات العالم منذ أربعمئة سنة، فكيف تخيله الفنانون التشكيليون وجسدوه بالخطوط والألوان والحجوم؟ وفيما بعد بالرسوم المتحركة، وأفلام السينما والتلفاز؟
من المؤكد صعوبة الإحاطة بكل ما أفرزته الفنون البصرية حول شخصية «دون كيشوت» وتابعه «سانشو» بعجالة كهذه، فهو كثير ومتنوع ويعود إلى مراحل تاريخية متباعدة، غير أن أبرز التجارب التشكيلية التي وصلتنا عن طريق المعرض المتنقل الذي أعد بمناسبة مرور أربعمئة عام على ولادة شخصية «دون كيشوت» تعود إلى مجموعة من الفنانين
أمثال: فرانسيكسو غويا، سلفادور دالي، بابلوبيكاسو، جاكسون بلوك، هنري دومييه، بول سيزان، انطونيو كيروس، ألفريدو بالميرو، غبريال فلوريس، خوسيه شافيت مورادو، خوسيه لوفر، خوان بورغيتي البالات، بدور سوبرادو، تيتوليفيو، بدور كورونيل.. وغيرهم.
لقد حاول الفنانون التشكيليون تجسيد شخصية دون كيشوت في منتهى الرشاقة والجدية بهمومه، وضمن وضعيات وحركات معبرة عما تحمل من رموز ودلالات، على عكسه، جاء تابعه «سانشو» قصيراً، ثميناً، متهالكاً، بارداً ـإلى درجة الغباء.
القواسم المشتركة، أو الوحدة التي جمعت نتاجات وإبداعات التشكيليين المكرسة لدون كيشوت، مردها «سرفانتس» في رسمها بالحروف، وجاد الفنان التشكيلي ليترجمها إلى خطوط وألوان وكتل، كل بأسلوبه وأدوات التعبير التي يشتغل عليها، ووفق مقومات شخصيته الفنية. فقد ارتمت الملامح والصفات الفيزيولوجية التي حددها «سرفانتس» بقدة لشخصية دون كيشوت، في أعمال الفنانين التشكيليين.
أما الأبعاد النفسية، فقد مرت عبر موشور خيالاتهم ورؤاهم وموقفهم مما يمثله دون كيشوت من قيم ورموز ودلالات ومعانٍ، وفي الوقت نفسه، عبرت هذه الشخصية، موشور أساليبهم وشخصياتهم الفنية والتقانيات التي يشتغلون عليها، عبر هذين الموشورين،
جاء الاختلاف والتفرد، في هذه الإبداعات. أما الوحدة والقواسم المشتركة، فقد تحققت بفضل براعة «سرفانتس» الروائية الوصفية، لملامح وصفات هذا الذي أمضى أربعمئة عام وهو يحارب طواحين الهواء، دون أن يتعب أو يمل!!
د. محمود شاهين