أتابع نتاج القاص المصري محمد المخزنجي منذ مجموعته «رشق السكين» من حيث دلت على صوت قصصي خاص، وعلى رهافة التقاطه للحظة القصصية يخطفها من بحر التفاصيل الداخلية لأبطاله من غير أن تنفصم صيرورتها عن سيرورة الحياة اليومية.
وتلك ميزة تُحسب للمخزنجي، كما يُحسب له إخلاصه لفن القصة القصيرة، لا يخونها، مع جنس آخر، حتى أن سرد تحقيقاته الصحافية، في مجلة «العربي» الكويتية، عن الشعوب والحضارات، ينضفر بسرد قصصي لمّاح، وكان ذاك يعطي لتحقيقاته ميزة إضافية.
ومن رشق السكين إلى أوتار الماء، لكأن الخط البياني لمسيرة القص عند المخزنجي، يمرّ من دلالة هذين العنوانين، حيث لا شيء من غير دلالة، ومن غير إحالة على تراكم التجربة ونضجها.
فمن قصص خاطفة يتم انتشالها من اليومي ـ النفسي، ثم يعيدها القاص إلينا برمية كرشق السكين نسمع صوت انطلاقه في الهواء، ثم لا نكاد نرى انخطافة الخطي حتى نرى كيف يُصيب نقطة التحول القصصي، مركز الدائرة، بؤرتها، محرق البصيرة.
ومثل هذا التكثيف في «رشق السكين» لم يمنع المخزنجي عن قصته الملحمية «مقهى العميان» التي قرأ فيها تحولات «القاهرة» ومصائرها.. ببصيرة العميان الذين تقمصهم السارد بعد أن دخل عوالمهم بكل عينيه، فانتقلوا به من ظاهرة الرؤية إلى بواطن الرؤيا.
ومن رحم المقهى غير مُضاء سوى بنارهم الداخلية إلى غبش الهواء وسديم الشوارع وغبار الراهن، لنرى القاهرة، كما لم نرها من قبل، رغم الرمل الذي استباح أحداقنا وقلوبنا.
منذ «رشق السكين» الصادرة قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، أحسست أن المخزنجي مسكون بأطياف تشيخوف ويوسف ادريس معاً، وهو الطبيب أيضاً، لا من حيث هما: طبيبان فحسب، وإنما، من حكماء القصة القصيرة في العالم.
وسيعزز المخزنجي هذا الإحساس في مجموعته «أوتار الماء» عبر قصته «حقيبة بلون الشفق والرمل» من حيث سيقف الطفل ـ الرجل ـ القاص، الذي هو المخزنجي ذاته:
ذاهلاً أمام حقيبة تشيخوف في متحفه، إنها ذات الحقيبة التي حلم بها في طفولته، حقيبة «جلد الغزال» تلك التي أدخلته لكثرة ما حلم بها في لحظة جنون عاصفة، مزق لأجلها حقيبة المدرسة، راكضاً نحو قنّ الدجاج.
ملتقطاً الديك بشراسة في محاولة لإجباره على أن يبيض، مذ قالت له أمه ساخرة من إلحاحه على شراء تلك الحقيبة التي لا يملكون لشرائها مالاً: غالي والطلب رخيص، أول ما يبيض الديك يا ننّ عيني!
وسيُدرك الطفل الذي كانه المخزنجي، والرجل الذي آل إليه المخزنجي في دهشته قبالة حقيبة تشيخوف، أن بيضة الديك المستحيلة تلك، هي تلك الرؤيا التي تنتاب طفلاً في لحظة كشف عند حافة الجنون، ثم سيدرك القاص الذي صاره الطفل ـ الرجل، أن أفضل عزاء لاستحالة الحلم، هو الكتاب، هي، القصة ذاتها، حتى لو تبددت على هيئة حقيبة بلون الشفق والرمل في آن معاً.
يبدأ محمد المخزنجي قصته هذه:
«إليك واحدة من تلك اللحظات يا محمد، في بيت تشيخوف الذي حوّلوه إلى متحف.. إلخ».
وكأن القاص يكتب رسالة من الرجل ـ محمد إلى الطفل الذي كانه، رسالة ما كانت لتكتمل قصة، لولا، لحظة الكشف قبالة الحقيبة.
وفي قصته «تلك الحياة الفاتنة» يكتب القاص أيضاً ما لم يقله أو يحكيه من قبل لشريكة حياته:
«لك أنت أيتها المسالمة أحكي هذه المرة..»ثم يكتب لابنه في قصة «أعز ما تبقى من عمري لك»: «كنت أنت صغيراً ومريضا. وكانت هي مريضة وإن لم تكن صغيرة مثلك..».
وفي قصته «رنين أوتار الماء» يبدأ المخزنجي أيضاً، على هذا النحو: «ستكون كل هذه ذريعة فنية من ذرائع القصص وأساليبه، فبالرسائل ونحن نخاطب سوانا، نكون قد اكتشفنا جزءاً من ذواتنا أيضاً، ومن حيث لا ندري أو.. نريد.
تتنوع أيضاً أساليب السرد في «أوتار الماء» ويكاد يتطابق «القصّ» مع «الحكي» من غير إفاضة، مُتخلصاً من شوائب البلاغة اللفظية وسواها.
وينفتح الفضاء القصصي من القاهرة/ مصر إلى أفق يمتد من «البوسنة: في قصة طريق القناصة»، مروراً بمتحف تشيخوف، وحتى ساحة «بودابستا» في التيبت، إلى شنغهاي في الصين وصولاً إلى أطراف الغابات المطيرة في كمبوديا.. حيث الإنسان هو كينونة هذه القصص وبؤرتها الدرامية من حيث يكتشف القاصّ والقارئ معاً: دواخله.
كما ينفتح العمق النفسي للحظة الكشف القصصية، حتى لكأني بالمخزنجي ينتقل من شغفه بالنفسي، الفرويدي ـ اليونغي، إلى علم نفس الأعماق، وصولاً إلى بوصلة شخصية تعبر العلوم والمناهج لتمزجها بالطقوسيات والماورائيات، كما بالتجربة الشخصية.
وفي القصة الأخيرة: ذلك الوميض.. يكتشف ذاك الطبيب النفسي: ستهاتف مراجع وخبرات أعوام عمله الثلاثين». لهذا يخلع المخزنجي عنه رداء فرويد ويونغ وسواهما..
ويتجه نحو شرقهما، نحو «التشي كونغ»، حيث «لم تقدر تكنولوجيا نيويورك الطبية العالية على إثبات تفوقها في مواجهة ثلاثة عصافير صينية مترابطة القلوب بخيوط من حرير إنساني شرقي شفيف».
من القاهرة إلى شنغهاي، هل كلّنا في الشرق.. شرق؟!
حيث الأرواح تأتي إلى شقة القاصّ بالمعادي أحد أحياء القاهرة، ويستوطن فيها بالرائحة الخاصة لها، ولا يستطيع القاصّ أن يخلص عائلته من تلك الرائحة الغامضة، إلا حين يدرك أنها أرواح لم يعطروا أجسادها حين التكفين، فاستخلص من كتب «الأروما» القديمة قوارير تعطرها من مصادرها الطبيعية..
وسيرى سارد القصة في لحظة كشف حيث «يمكث هناك دون أن يشعل الضوء لدقائق حتى تطمئن نفسه وتألف وجوده الأرواح فتكشف عن وجودها وهي تنهل من العطور لتكتسي.
. وتتألق نجيمات تشع بكل ألوان قوس قزح وهي تطفو شفافة داخل قوارير العطور وفوق فوهاتها ومن حولها «ثم تكاثفت صاعدة، فانسرب كل ذلك البهاء من النافذة الصغيرة واختفى.
تتسربل الأرواح بالعطر، وتنتقل طاقة الحياة «التشي» من الأب إلى ابنه، ولا يستطيع رجل التخلص من الأصوات الزاعقة في أذنيه ـ أو في روحه ـ كلما أمطرت سماء أو سالت مياه من صنبور أو من دوش الحمَّام، إلا.. بهجرة هذا العالم المليء بالضجيج:
ضجيج الحروب والكوارث والتصنيع وازدحام المدن، إلى رحم الغابة المطيرة حيث ترنّ أوتار الماء هناك بالطمأنينة الداخلية وبالتصاق الكائن بأرضها الأم.
نجم الدين سمان