تعترف غالبيتنا بأن العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا ليست علاقة ضدية على الرغم مما يعتريها من توتر أحياناً بسبب التطور التكنولوجي الشديد السرعة الذي لا يترك مجالاً لأهل الثقافة لكي يقولوا كلمتهم. وعلى حد قول جهابذة التكنولوجيا فإن التكنولوجيا لم تصل بعد إلى الثقافة، الأدب على وجه التحديد!
المعنى بالأدب هنا كل من نشره وقرأه. وسواء تعلق الأمر بالأولى أو الثانية فهما اثنان في واحد كما يقال، قراءة الأعمال الأدبية تختلف عن أي قراءة أخرى وكذلك نشرها.
وربما كان موقف بعض دور النشر العالمية ومنها دار راندوم هاوس، هاربر كولينس، بنغوين، التي تصر على المحافظة على اختلافهما أو خصوصيتهما بعدم التورط في متاهات تكنولوجية كثيرة تتعلق بالنظم والإدوات والشروط المتعلقة بإنتاجها الكترونياً الأكثر توضيحاً للموقف.
لكن إذا عدنا إلى الواقع فإن المنافسة لا تزال محتدمة بين أنصار حبر المطبعة والحبر الالكتروني، بين أنصار حقوق النشر كما تنص عليها شروط هذه الدور وحقوق النشر الرقمية، بين المرجعية الثقافية الأدبية والمرجعية التكنولوجية.
وإذا كان اختراع الرقائق الالكترونية قد غير وجه الثقافة الموسيقية، أو الثقافة السينمائية والتلفزيونية فإن شركات مثل سوني وفيليبس العملاقتين تشمران عن ساعديهما.
في لاس فيغاس، أزيح الستار أخيراً عن اختراع قارئ رقمي يتراوح سعره ما بين 300 و 500 دولار أميركي، ويقال انه الجيل الأكثر تطوراً من حيث الجودة والسعر، فيما يبدي المثقفون المحافظون وجهة نظر متشددة تجاه ما يمكن أن يهدد مستقبل عملية مهمة في صناعة النشر هي حقوق النشر والتأليف.
في إحدى مقالاته كتب الروائي الأميركي، جون أبدايك، «تنطوي فكرة الكتاب بالنسبة لنا على مضمون مادي، ذي أهمية فائقة أياً كانت التغيرات التي لحقت بمظهره منذ أن كان يكتب باليد... إن صمود الكلمة المكتوبة يعني صمودنا نحن البشر، إن الرواية الكامنة بداخلنا لا يمكننا كتابتها بالحبر الالكتروني».
بين تصريحات أهل التكنولوجيا بأن مستقبل صناعة النشر والقراءة أصبح بين أيديهم، وتصريحات أهل الثقافة بأن مثل هذه الأحلام لن تفلح في تحرير الكلمة المطبوعة من قبضة الكتاب الورقي تبقى الكلمة ذاتها مكتوبة أو مسموعة في مكانها، في صميم ثقافتنا الإنسانية.